بل هم على ما زعموا ثلاثة قدماء! لأن وسيطًا بين الأب والابن هو الروح القدس. ثم كيف بعد ذلك تتصور العلاقة بين تلك الأقانيم المختلفة، والتي هي أولًا وآخرًا شيء واحد؟ أهي طبيعة واحدة، ومشيئة واحدة للأب والابن، أم هما مشيئتان وطبيعتان، أم طبيعة واحدة ومشيئتان؟ لقد ظهر الإسلام، والخلاف ناشب بين الرومان من ناحية، وجمهرة أهل الشام ومصر من ناحية أخرى في تلك المسائل المحيرة... أما عرب الجزيرة فكانوا بعداء عن هذه المجادلات التي لا توائم أذهانهم، ولا تصاحب أمزجتهم، ولا طاقة لهم على الخوض فيها. صحيح أن النصرانية وجدت لها بعض المعتنقين في اليمن، وأسفل الشام، ولكن هذا الاقتناع المحلي لم يتجاوز حدوده الضيقة، خصوصًا بعدما فشلت حملة أبرهة على مكة، وبادت جيوشه قبل أن تهدم البيت الحرام. على أن نصارى العرب فهموا التثليث بصورة تقارب وثنيتهم الشائعة، فتصوروا العلاقة بين أطراف الأقانيم تشبه العلاقة بين أفراد أسرة مقدسة، توصف مريم فيها بأنها أم الإله والابن، وصاحبة الإله الأكبر!. وقد نفى القرآن هذا النسب المدعي:"بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم". إن العقبات أمام التوحيد المطلق الذي دعا إليه محمد، كانت ميسورة التهشيم في الوثنية العربية، لأن طبائع العرب أسلس قيادًا للحق، وأسرع عزوفًا عن الباطل، وذلك لأن سجاياهم النفسية والعقلية لم تعوج مع الفلسفات الدينية التي التاثت بها، واستنامت لها جماهير أخرى . ص _034