وإنك لتجد أعرابيًّا مؤمنًا يسأل عن الله كيف عرفه؟.. فيقول: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. فأرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الخبير البصير؟ وهذا منطق السجية المستنيرة، والطبع المستقيم. - وربما كان هذا الكلام أثر ظهور الإسلام، واهتداء البصائر بنهاره الساطع، لكن طبيعة العربي السهلة تتجلى فيه. وإلى هذه الطبيعة السهلة، وإلى أنها لا تألف النقائض، ولا تسيغ الالتواء الفكري، ترجح بنجاح الإسلام في حجاجه مع أولئك العرب عندما كانوا مشركين. ذلك أن القرآن جادلهم في شأن آلهتم التي أشركوها مع الله، ألها نصيب في الخلق والرزق والتدبير؟ فكانت الإجابة المسددة: لا."قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون"ولو كان غيرهم من أصحاب الفلسفات الأخرى لكانت إجابته مليئة بالعقد والأغاليط والعجر والبجر إن فلسفة التثليث وهي ضرب من التفكير البشري غلب على ديانة عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ وجدت جماهير من الناس تسيغها، ولما كان إمرارها من الذهن العادي صعبًا؛ فقد أجريت عدة فتوق في الذهن الإنساني حتى يسمح لهذه الفلسفة بالمرور. ومع تلك الثغرات المصنوعة في الفكر، كي يقبل ما لا يعقل، فإن أصحابها اختلفوا على أنفسهم اختلافًا داميًا . كيف يتولد قديم من قديم، ويكون الاثنان واحدًا ؟ ص _033