الصفحة 26 من 227

وكانت أمية الكتابة وأمية التدين تستولي على تلك البقاع الشاسعة وتجعل قلوب أهليها وأذهانهم غفلًا. والخبراء بعلل التدين الفاسد يعلمون أن الجماهير الساذجة أو المخرفة أيسر اقتيادًا للحق من الجماهير التي اعتنقت أفكارًا فيها مزيج من حق وباطل، فإن تعصبها لما تعرف من حق يجعلها تعتذر لما ورثت من باطل، فهي قلما تتحول عنه بسهولة. إن الأرض الخالية أعون على سرعة البناء من الأرض المليئة بالأنقاض، والواقع أن تعصب اليهود لما لديهم من مواريث، وتعصب النصارى لما آل إليهم من تثاليث يجعل بدء الرسالة في غيرهم أحكم... هل يعني ذلك أن الوثنية لفظت أنفاسها دون عناء؟.. كلا، فإن عبدة الأصنام جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وانتضوا السيف ليخرسوا به الحجة، ولكن الإسلام الذي اكتسب أنصاره بالاقتناع واليقين تغلب على هذه الصعاب، واستمكن من مد رواقه على أنقاض الشرك المدبر. واشتعل هذا الكفاح أمدًا طويلًا حتى استقرت الأمور له بعد لأي... بيد أن حرب الكلام والسنان مع أولئك الوثنيين كانت أبعد عن الدس والالتواء من الحروب التي نشبت للأسف مع أهل الكتاب، سواء في الجزيرة أو ما وراءها، وكلفت الإسلام عناء شاقًّا. وكان في عرب الجزيرة الغني والفقير، شأن أي مجتمع إنساني، ولكن الصحراء الوسيعة خلت من نظام الإقطاع، وما يتبع الإقطاع من رق وهوان، وترف وانتفاخ. إن طبيعة العلائق بين السادة والأتباع في الجزيرة كانت أدنى إلى الكرامة الإنسانية من الأوضاع التي عرفت في أقطار أخرى . ومنطق العرب في هذا ما قاله الشاعر: جفاني الأمير، والمغيرة قد جفا وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه وكلهم قد نال شبعًا لبطنه وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه ص _031

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت