الصفحة 25 من 227

وقد رأينا العباس - وهو كافر- يحدث الأنصار قبل انتقال الرسول إلى بلدهم فيقول: إن محمدًا هنا في عزوة تنافح عنه، فإذا لم يلق مثل هذه الحماية من أهل المدينة فلا معنى لخروجه... ورأينا أبا لهب، وقد نزل فيه قرآن يلعنه، يعرض على النبي أن يقوم منه مقام أبي طالب بعد وفاته، فيتولى نصرته ومؤازرته. ورأينا المطعم بن عدى- وهو مشرك- يقبل أن يدخل الرسول في جواره وهو عائد من الطائف عودة محزنة متعبة. ويخرج هو وبنوه في سلاح كامل ليقاتلوا من يحاول النيل من محمد. إن هذه النخوة الغريبة كفلت لونًا من الحرية السياسية والكرامة الفردية لم يعرف عصرئذ في أية دولة أخرى. ولو أن داعية للتوحيد ظهر في ربوع الروم، أو أقطار الفرس لأصدر كسرى أو قيصر أمرًا باعتقاله، أو ضرب عنقه فانقضى، وانقضت دعوته دون أن يسمع بها أحد. ولو أنه نال فرصة الحياة أيامًا ما استطاع أن يربى على مكث جيلًا من الرجال الذين رسا اليقين في صدورهم، وتلقوا دروسًا في التربية والتشريع. كان العالم أحوج ما يكون إليها في مستقبله البعيد. لم تعرف بطحاء مكة ولا ما حولها الكهانة الدينية التي تقترن بالنصرانية وتسير أبدًا في ركاب الكنيسة. نعم توجد قبائل قد تنصرت في الشمال والجنوب، كما أن هناك فصائل يهودية تسربت إلى جوف الصحراء، وتهود في جوارها نفر من العرب. لكن الوثنية كانت الصبغة السائدة في أرجاء الصحراء. ويمكننا القول بأن الطبيعة العربية غلبت على خلائق كثير من اليهود والمتهودين، والنصارى والمتنصرين، فلم تستطع هذه الديانات اجتذاب جمرة العرب إليها، ولا هي حيث استقرت بقيت لها نظمها الكنسية المعروفة في بلاد الروم مثلًا . ص _030

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت