نعم خلت الجزيرة من الملوك المتوجين، وكان نظامها السياسي أشبه بمجموعة من القيادات المحلية المتناثرة هنا وهناك. ولم يكن سيد القبيلة جبارًا فيها يهضم من حوله، بل كانت القبيلة تحمي كل امرئ فيها، وتضرب سياجًا منيعًا حول حرماته. ما الذي كان يحمي الدماء والأموال والأعراض في تلك الفجاج الفسيحة؟ مع العلم بأنه لم تكن ثم سلطة مرهوبة ولا قوانين مكتوبة؟ إن العصبية الهائلة التي شدت أفراد كل قبيلة بعضهم إلى بعض، وجعلت من الجماعة كيانًا متماسكًا موصول الشعور، هذه العصبية القبلية، كانت محور النظام الذي شاع في تلك الأرجاء البدائية. فالجماعة مسئولة عن الفرد، والفرد مسئول عن الجماعة. وفي الخير والشر والخطإ والصواب كانت هذه العصبيات تنطلق من مكانها متلاحمة لا يردها شيء.. وقد أتاح هذا النظام لكل أحد من القبيلة قدرًا من الأمان يحيا في ظلاله وافرًا، إذ أن العدوان عليه ليس عدوانًا على امرئ فذ، بل على قبيلة بأسرها. وامتدت هذه المنفعة من الأفراد إلى أي غريب يدخل في جوار القبيلة ويلتمس حمايتها. وإلى هذا النظام السائد يرجع ما ظفرت به دعوة الإسلام أول أمرها من محافظة وبقاء. فإن بني هاشم رفضوا أن يخلو بين النبي وبين أعدائه، وتجمع مؤمنهم وكافرهم على سواء في الدفاع عنه والوقوف دونه . ورأوا أن تسليمه لخصومه عار يلحق أهله كلهم، وإن كان فيهم من لا يؤمن برسالته ولا يستجيب لدعوته... ص _029