الصفحة 21 من 227

ويصور الجاحظ نظرة العرب إلى أنفسهم فيقول: للعرب من صدق الحس، وصواب الحدس، وجودة النظر، وصحة الرأي ما لا يعرف لغيرهم. ولهم العزم الذي لا يشبهه عزم، والصبر الذي لا يشبهه صبر. والجود والأنفة والحمية التي لا يدانيهم أحد فيها، ولا يتعلق بها رومي ولا هندي ولا فارسي. وفيهم أيضًا خصلة لا تصاب إلا فيهم. وذلك أن سفلة كل جيل، وغفلة كل صنف إذا اشتد تشاجرهم وطالت ملاحاتهم، وكثر مزاحهم، وشاعت الدعاية بينهم؛ وجدتهم يخرجون إلى ذكر الحرمات، وشتيمة الأمهات. واللفظ السيئ والسفه الفاحش. ولست بسامع من هذا حرفًا في البادية. لا في صغيرهم ولا في كبيرهم. ولا جاهلهم ولا عالمهم. وليس في الأرض صبيان في عقول الرجال غير صبيانهم. وكل شيء تقوله العرب هو سهل عليها أو كطبيعة فيها، وكل شيء تقوله العجم فهو تكلف واستكراه".... والعرب شعب ذكي قوي، وقد استجمعوا على عهد البعثة كل الخلال التي تنجح بها رسالة عظمى. بل إن ما تتطلبه دعوة ضخمة كدعوة الإسلام لم يكن يتوفر إلا في هذه الجزيرة التي عبأتها الأقدار بشتى القوى والمواهب. ولنتحدث عن أولى هذه المرشحات. ا- الناحية النفسية: بلغت قوة الفرد مداها بين العرب، وشعر كل ساكن في هذه الصحراء أن له من العزة وتمام الشخصية ما يجعله إنسانًا يفرض نفسه على ما حوله، ويأخذ امتداده المطلق في كل ناحية. وقد جعلهم هذا الشعور أصحاب حساسية شديدة بأنفسهم. وبما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق، وربما وصلوا في تلك العاطفة إلى حد التطرف على نحو ما قال شاعرهم: لو كان في الألف منا واحد فدعوا من فارس؟ خالهم إياه يعنونا ص _026"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت