الصفحة 17 من 227

الصحيحة لا يرجع إلى دخل في إيمانهم؛ فإن حبهم للإسلام مكين، وولاءهم له ظاهر. بيد أن العاطفة الحارة لا تغني عن الفهم الحصيف والبصر النافذ . يحكى أن تركيًّا نام في فراشه على عادته كل يوم، ثم تذكر بغتة أنه وضع ص _020

المصحف في نافذة عند قدميه، فنهض مذعورًا وانتضى سيفه، ووقف إلى جوار النافذة وهو يهتف: مصحف شريف..!! لكن هذه العاطفة النبيلة تجاه المصحف لم تمكن الأتراك من غرس الإسلام على أسس صحيحة في شرق أوروبا، ولا من استبقائه صحيحًا في بلاده نفسها. - وأنت تعرف أن عمر لما فتح بيت المقدس أبى أن يصلي في كنيستها مخافة أن يتخذ المسلمون مصلاه مسجدًا. أما محمد الفاتح فعندما دخل القسطنطينية، حول كنيستها الكبرى (أيا صوفيا) إلى مسجد جامع. وقد يعتذر البعض للسلطان التركي بأن مسلكه كان على مبدإ المعاملة بالمثل. ولسنا بصدد مناقشة هذه السياسة. ولكنا نريد أن نؤكد الحقيقة التي نقررها هنا: وهي أن العرب وحدهم هم بيئة القيادة الصحيحة للمسلمين، وأن على الحكومة الإسلامية أن تحافظ على خصائص هذه البيئة، إذا أرادت أن تبقى ينابيع الإسلام صافية لا يشوبها كدر، وأن تبقى دعايته مجدية لا يعتريها عوج. الحرص على بقاء الإسلام نقي الجوهر، قريب المأخذ، مستجمعًا أسباب القبول التي أتى بها من عند الله هو السر في جعل قيادته عربية واضحة العروبة. فإن الأعجمين قد يدركون مظاهره وحدها، وقد تدق عليهم حكمة التشريع في أغلب الأحكام، فيتشددون حيث يمكن التيسير، أو يشتطون حيث ينبغي الوقوف... وقد ثار النزاع قديمًا بين بيوت عربية خالصة وبيوت مستعربة من أصول شتى، وسجل التاريخ بعضًا من أدوار هذا الصراع في تنازع بين العرب والفرس، أو في النزعات الشعوبية الأخرى، وسنفرد لذلك الموضوع فصلًا خاصًّا. ولكن الذي نسارع إلى بيان خطره، ونراه شديد اللصوق ببحثنا هذا هو انفراد الترك بقيادة العالم الإسلامي أحقابًا طوالًا، مع حرصهم الشديد على بقائهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت