الصفحة 16 من 227

الاجتماعي، والاصطفاء والتمركز عبر العصور؛ تكونت الأقوام المختلفة، وتكونت قومياتها . ص _019

فالقومية هي إذن (الواقع التاريخي واللغوي والثقافي والجغرافي العام لقوم من الأقوام) . وأما الدين فهو رسالة وهداية تعالج الحياة، وترسم للناس سبيل الرشاد، وتتجه بهم نحو الأفضل. وقد أراد الله للقوميات التي تسير في طريقها السوي أن تتعارف- في المعنى الواسع للتعارف الذي يقتضي حسن الصلة، والنظر في خصائص كل قوم ومميزاتهم، وتبادل المنافع وإعمار الكون وتحري المصلحة العامة - حيث تتحقق التقوى- وهي إرادة الخير للناس كافة فيما يرضى الله. وهكذا نجد الصلة التي شرعها القرآن بين الأقوام، ورسم خطوطها الله- والتي تعارف العصر على دعوتها بالقومية- صلة غير عنصرية؛ لأن كل الأقوام ناس، والناس من ذكر وأنثى. وليست انعزالية لأنها ( لتعارفوا) وليست تعصبًا وأنانية لأن"أكرمكم عند الله أتقاكم"! وفي ضوء هذا الفهم قد يكون تحديد جغرافية العالم على أساس القوميات الواعية هو الطريق الطبيعي الأفضل لسعادة الإنسانية وخيرها وإبداعها. ويكون تنافس القوميات إذ ذاك لتحقيق إنسانية أكمل، وحياة أهنأ، لا حربًا لكسب مناطق النفوذ، وسعيًا وراء استعباد قوم لقوم، واستلاب خيراتهم وثرواتهم، لتجر قومية ما ذيول الهوان والحرمان، وترفل قومية أخرى بحلل الترف والسرف، والأشر والبطر. والأخوة الإسلامية التي تجمع بين مختلف الأجناس الداخلة في الإسلام لا تخدش هذا المبدأ، فإن للقيادة في أي ميدان خصائص لابد أن تتوفر لذويها. وقيادة المسلمين من خواصها الأولى عروبة الشعور والتفكير واللغة والآراء. وقد حاول ناس من الترك والفرس وأشباههم أن يقودوا الإسلام مع بقائهم على تركيتهم وفارسيتهم، أو مع ارتداء لباس العروبة على جلدة فارسية وتركية، فكانت هذه المحاولات سبب بلبلة علمية وسياسية لا يزال الإسلام يتعثر إلى اليوم في عقابيلها. وعجز هؤلاء الأعاجم عن القيادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت