الصفحة 13 من 227

فما دام انسلخ من جلدته الأولى، ودخل في هذه الأمة الجديدة مذيبًا نفسه في كيانها، مندمجًا بأفكاره، ومشاعره فيها؛ أصبح منها دون نكير ولا غرابة… ونحن نرى أبا حنيفة فقيهًا عربيًّا، وصلاح الدين قائدًا عربيًّا، وسيبويه، والزمخشري، والرازي، علماء عربًا!. والألوف المؤلفة من الرجال الذين خدموا الإسلام في شتى آفاق السياسة والثقافة والأدب والتشريع مهما كانت منابتهم الأولى هم عرب، لا يفترقون في قليل أو كثير عن العرب الأصلاء من بيت النبوة نفسه... وفي عصرنا هذا نلمح دولة تعد من أضخم دول الأرض، إن لم تكن أسناها وأقواها، وهي الولايات المتحدة الأمريكية. إنه في بوتقة هذه الدولة الناشئة من قرابة ثلاثة قرون فحسب نشأت جنسيات جديدة من أخلاط بشرية بعيدة المناسب والدين واللغة. ومع ذلك فهذه الجنسية الأمريكية الجديدة تفردت بخصائصها ووجهتها، وأصبحت وطنًا واحدًا لشعب واحد. إن هذا مثل صغير للعمل الضخم الهائل الذي صهر الإسلام به شتى الأجناس والألوان في دين واحد ولغة واحدة، فأصبحت هذه الأمة بتكوينها الجديد طورًا آخر للعروبة بعدما اتسعت دائرتها وتحددت وظيفتها في العالم. ونرى لزامًا علينا هنا أن نقول: إن هذا الشرف المتاح للعروبة لم يجئها من نسبها الأرضي، بل جاءها من رسالتها السماوية. فإن أجناس البشر لا يرجح بعضها البعض الآخر بشيء. وما يظنه جنس ما من أنه أرقى من جنس آخر: محض هراء.. ونحن العرب ما نعطي أنفسنا الحق في قيادة روحية أو سياسية لأحد من الناس إلا لأن الله اصطفى لغتنا للحق الذي أوحاه، وبعث منا النبي الذي ارتضاه. ويوم نفخر بأننا عرب وحسب؛ فإننا نسقط عن المكانة التي رشحنا لها، ونعطي الآخرين الحق في الابتعاد عنا، ونخون بذلك الأمانة التي وكلها الله إلينا . إن مطالبتنا بحق العروبة في قيادة العالم الإسلامي كله، وبحقها في إرشاد الجنس البشري أجمع يعود إلى تلك المواريث المقدسة التي آلت إلينا، فخلدنا بها، وسمت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت