رهنًا كي يسلفه ما يشاء ... ولم ير الرسول العربي في ذلك غضاضة مع اختلاف الدين، وضعف اليهود، وسبقهم القديم بالعدوان. وقد شاء الله أن تكون مصر موئل الإسلام والعروبة، وحصنهما السامي منذ أجيال بعيدة. ولن ينسى التاريخ مواقف البطولة التي وقفها أجدادنا عندما كادت حضارة العالم تزول، ومدنيته تطمس، بعدما انطلق التتار من الشرق، والصليبيون من الغرب، يدمرون أمامهم كل شيء، ويخربون كل ما شادت الإنسانية من فضائل ومعالم، ويطوون تحت أقدامهم العواصم الزاهرة والمدائن العامرة. إن أجدادنا في هذه الفترة العصيبة هم وحدهم الذين انتصبوا أمام المردة المنطلقين، واستطاعوا أن يكسروا السيل الجائح وأن يردوه على أعقابه، فانهزم الهمج المقبلون من الشرق، وأدبر القراصنة الهاجمون من الغرب. وبقيت حضارة العالم آمنة في ربوعها، ووديعة احتفظ بها الأسلاف للأخلاف. وقيادة المسلمين لا يصلح لها إلا العرب، وما ينبغي أن ينازعهم عليها أحد. فإن الإسلام يقوم على دعامتين جليلتين، هما الكتاب الكريم، والسنة المطهرة... والكتاب الكريم- كما رأينا - نزل بلغة العرب، والرسول عربي الحياة والتراث... وما يفقه حقيقة الوحي، ومنهج الرسالة إلا خبير بأدب العروبة، راسخ القدم في بيانها، ذواقة لطبيعة البلاغة العربية، بصير بدلالات الكلام القريبة والبعيدة، وبمعانيه الأصلية والثانوية.. يستطيع كل امرئ أن يكون مسلمًا عاديًّا، ولكن لا يستطيع أن يكون فقيهًا في الإسلام، أو أمينًا على دعوته، أو موجهًا لسياسته إلا امرؤ عربي... ولا نعني بالعروبة هنا الجنس، بل نعني اللسان... لا نعني النسب القريب أو البعيد، ولا الدم النقي أو المختلط، بل نعني العرب جميعًا سواء الصريح الأصل أو المستعرب الذي كان ينتمي إلى أي جنس آخر في أي قارة من قارات الدنيا . ص _016