الصفحة 11 من 227

وأفئدتهم وأنظمتهم تأثيرًا لم يؤثره كتاب سماوي آخر في أهله . ص _014

ومن هنا كانت ثقافة الإسلام قائمة على ركنين أساسيين: الدين بعلومه المختلفة. واللغة بفنونها المعروفة. وهذان الركنان يشد أحدهما الآخر ويمسكه. فالإسلام بغير العربية يستعجم ويضمحل. والعربية من غير الإسلام تنكمش وتزول. ولا أعني بالعرب دمًا مخصوصًا، بل أعني كل متحدث بالعربية، منتسب لأمتها، معتنق لرسالتها، أو مسالم لهذه الرسالة، غير مشاق لأهلها، ولا متول لأعدائها. فمن أعوزته هذه المواهب، ولو ولد في بطحاء مكة؛ فليس بأهل للعروبة. ومن استجمعها من الزنوج فهو عربي أصيل لا يعيبه لون ولا يؤخره جنس. روى الحافظ بن عساكر قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، فقال: هؤلاء الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل (يعني النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ) فما بال هذا وهذا؟ ـ مشيرًا إلى غير العرب من الجالسين)ـ ؟ فقام إليه معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ فأخذ بتلابيبه، ثم أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره بمقاله. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مغضبًا يجر رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم قائلًا:"يا أيها الناس إن الرب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي". ليست العروبة إذن تعصبًا جنسيًّا لدم من الدماء، أو لون من الألوان. كما أنها ليست تعصبًا ضد دين أو مذهب، فإن الإسلام يعتمد في قيامه وبقائه على الحرية المطلقة، وهو يكافح لمنع الفتنة والإكراه والاستبداد ... ولا يحارب ألبتة لنصرة عقيدة أو إرغام أحد على اعتناقها. وقد مات النبي العربي ودرعه مرهونة عند تاجر يهودي كان يحيا في المدينة آمنًا على نفسه ودمه وعرضه، بل بلغ من أمانه العجيب أن طلب من سيد العرب ص _015

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت