ـ وقصة الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا، دليل على أن الجاهل يضر نفسه.
... ومن الناس من هو أهل للفتيا لكن شُغل عن ذلك بغير العلم ، فضيَّع علمه ، إما لتنافسه على الدنيا ،أو لجعل علمه خادمًا لشهوات أمراء الجور ، أو لعدم تمسكه في نفسه وأهله بما يفتي به ، فنفر الناس عنه ، ونحو ذلك .
...ومن الناس من عنده علم في باب من أبواب الفتوى ، ولم يقتصر على ما رُزِق ، فدخل في غير فنِّه ، فأتى بالعجائب والموبقات .
.. ومن الناس من يُحسن الخطابة مثلًا ، فاغتر الناس به ، وظنوا أنه أهل للفتيا في المسائل العامة والخاصة ، واغتر هو بالأتباع ، فخاض فيما لا يحسن فأفسد.
... ومن الناس من ادعى اغلاق باب الاجتهاد من وقت قديم ، ودعا إلى التقليد فقط.
وأما أهل الحق فسلكوا مسلك الوسط ، الذي هو بين التشديد المفرط والتيسير المنفلت غير المنضبط ولهم في ذلك عدة أمور ومعالم:
1-أن باب الاجتهاد مفتوح لمن دخله بشروطه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ودعوى إغلاق هذا الباب تضييق لواسع ن وحرمان لمن تأهّل من منزلة أكرمه الله بها ، والواقع يثبت ذلك.
2-أن الاجتهاد منه مطلق ، ومنه مقيد ، وأنه يتبعض ، فقد يكون العالم مجتهدا في الشريعة على جميع المذاهب ، وقد يكون مجتهدًا في مذهب دون غيره ، وقد يكون مجتهدًا في الحديث دون غيره ، او الفقه دون غيره ، وقد يكون عالما في باب من أبواب الفقه دون غيره ، كالفرائض ، والمناسك ، والبيوع ... الخ .فأهل السنة يقبلون من كل عالم في بابه ، ولا يتكلم عالمهم إلا في فنِّه , ويحيل على غيره فيما لا يحسن .
3-أن المسائل الشرعية مختلفة المراتب ، ولكل مسألة أهلها الذين يتناولونها:
أ - فهناك مسائل فرعية في أبواب الفقه ، ويتناولها عامة العلماء ،إلا إذا خرجت هذه المسائل عن مجاله الذي تأهّل فيه .
ب - وهناك خصومات ترجع إلى القضاة والحكام ، لا مطلق العلماء.