والحق وسط بين هذه الفرق ـ على اختلاف درجات انحرافها ـ وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، إذ عملوا بالنصوص الدالة على السمع والطاعة في المعروف دون المعصية ، فخالفت الفرقة الأولى ، وعملت بالنصوص الدالة على الحرص على الجماعة ،والنصح بالمعروف ، والصبر على الأذى ، فخالفت الفرقة الثانية ، وعملت بالنصوص الدالة على الرفق في الأمر والنهي ، والقواعد الدالة على سد الذرائع ، والحذر من الوسائل الموصلة للسوء ، وأدركت أثر الكلام في إيغار الصدور ، وأثر التكتلات السرية في ذهاب القوة الهيبة ، فخالفت الفرقة الثالثة ، وعملت بنصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع مراعاة ضوابط ذلك في الحال والمآل ، وأدركت أن الدفاع بالباطل عن الحكام وخيم العاقبة ، كما أن الخوض بالباطل في أعراض العلماء ذهاب للدين ؛فخالفت الفرقة ، وعملت بمنهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وبطريقة أئمة المذاهب والأمصار ، فنفع الله بهم ، واستمر خيرهم ، وقاموا بالدين من جميع جوانبه: علما وتعليما ، وقضاءً وجهادا , وتربية وسلوكا ، وصدا للشبهات والشهوات ؛فكانوا أهل السنة والجماعة حقا,,,.
الفصل الخامس
الوسطية في تناول الفتوى والاجتهاد، والمذهبية والحكم على المستجدات، وطريقة التفكير والحكم على الأشياء
للفتوى منزلة عظيمة في الدين ، وأهلها هم أهل الرفعة في الدنيا والآخرة ، لكن حَدَث في تناولها إفراط وتفريط .
... فمن الناس من تجرأ على الفتيا وليس لها بأهل ، وتزبَّب قبل أن يتحصرم ، فضَلَّ وأضَلَّ.
ـ والدليل على فساد ذلك:قصة الصحابي الذي أصابته جنابة ولاماء ، وكان فيه شجة، فأفتاه من حضره من الصحابة بالغسل ،وكان زمن برد شديد ، فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم"قتلوه قتلهم الله ،هلا سألوا إذ لم يعلموا ، إنما شفاء العي السؤال"فهذه آثار الفتوى بدون علم على النفس والغير.