وإذا كان اجتماع الكلمة والاعتصام بالحق وتماسك الصفوف من أعظم أصول الدين ، فإن الإفراط أوالتفريط في ذلك وخيم العاقبة،ولذا كان التوسط ولزوم الجادة في ذلك من أعظم القربات، وأكرم المآلات ،والله أعلم .
الفصل الرابع
(الوسطية في طاعة ولي الأمر ولزوم الجماعة)
من المعلوم عقلا ونقلا ، ونظرًا واعتبارًا أن الناس لا صلاح لهم إلا بأمير يسوسهم ، ولا إمارة بدون قوة، ولا قوة بدون سمع وطاعة .
ولما كان الإنسان مدنيا بالطبع ، ويستوحش من الشذوذ والانفراد ، ويستأنس بالاجتماع والاقتراب ؛كان ولابد للناس من وجود من يرجعون إليه في دينهم ودنياهم ، ومن وجود من ينصف المظلوم ، ويرد الحقوق لأهلها ، وإلا فسد أمرهم ، وأكل قويُّهم ضعيفَهم .
ولذا فقد أنزل العليم الخبير منهجا تعيش به الأمم والطوائف والأفراد حتى يستمر أمرهم ، ويقوى شأنهم ، إلا أن الناس سلكوا في هذا الباب عدة مسالك:
فهناك طائفة تجاري الحكام في كل ماجاءوا به ، فتحل لهم ما حرم الله ، وتحرم ما أوجب الله ، وتبيح ما حظر الله ،وتحرف الدين ، وتعطل معالمه وتطمسها تبعا لشهوات ملوكهم وقادتهم ، ويجعلون ما رآه الحاكم هو الأصل ، وكل ما عداه يجب أن يكون تبعا له ، واستدلوا بعمومات من الأدلة ، ووضعوها في غير موضعها ، أو أهملوا قيودها وضوابطها ،والغالب على من وقع في ذلك أنه ممن آثر الدنيا على الآخرة ، وباع دينه بدنيا غيره ، أو بغرضٍ زائل عما قليل ، ونعوذ بالله من حال هؤلاء ، ومن حال ممن يجادلون بالباطل عن الذين يختانون أنفسهم .
وهناك طائفة قابلتْ الطائفة السابقة ، فرأتْ من ظلم الحكام ما رأتْ ، فلم تصبر نفوسها على احتمال هذا الظلم ،فسارعتْ إلى تكفيرهم ، وإعلان الخروج علنهم ن ودعت الناس إلى مباغتتهم، والانقضاض عليهم وعلى من يتبعهم ، حتى أفتوا بقتل أو هجر من كشف خطأ مذهبهم بالدليل والبرهان ، وجعلوه من علماء السلطان ، ورموه بالقبائح ـ