الرابع: وهم أهل الحق عبر العصور: وهم الذين عقدوا الولاء والبراء على أصول الدين المحكمة المجمع عليها ، سواء كان الخلاف في هذا الأصل يفضي إلى التكفير، أو إلى التفسيق ، فمن آمن بأصول الدين وما أجمع عليه أهل الحق ؛ فهو منهم ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، وإن خالفهم في المسائل الاجتهادية ـ وإن كثرت ـ مادام الخلاف فيها سائغًا ،ويكتفون ببيان الحق للمخالف وغيره، لكنهم لا يجعلون مسائل العفو ـ أي ما يسوغ فيها الخلاف ـ من مسائل العقوبات والتشنيع ، فإن هذا لا يكون إلا مع من خالف في الأصول بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، ولإن جعل مسائل العفو من مسائل التشنيع عمل أهل البدع ، وأيضًا فلم يقبلوا تنازلًا عن الأصول، فلم يضخموا صغيرًا ، ولم يحقروا عظيما .
وبهذا بقي تماسكهم عبر القرون قائمًا ، لأن صفوفهم لا تتصدع بمجرد أي خلاف ، إذ أنهم ينظرون إلى رتبة المسألة المختلف فيها بين مسائل الدين ؟ وينظرون في المخالف: ما الحامل له على الخلاف ؟ وينظرون في القرائن التي تحف المقام ، ثم ينظرون: هل الأرجح إعلان الخلاف أم إسراره ؟ وهل الأرجح والأنفع للأمة التعجيل بنشر الخلاف ، أم تأجيله ، أم طيه ؟ وهم في هذا كله مقتدون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد تجلى بهذا: كونُهم أهل سنة وجماعة ، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع حفاظهم عن الجماعة ، وتجسد بلا خفاء: أنهم أهل العلم والحلم والفهم ، وأنهم أهل الدين الصحيح ، و أن طريقتهم امتداد لدعوة الحق وأهله عبر القرون ، وأنهم أسعد الناس بنصوص الوحيين ، ومنهج الأئمة ، وأنهم أرعى الطوائف لمقاصد الشريعة ، وتقدير الأمور بقدرها ، بخلاف غيرهم الذي عظم ما ليس بعظيم ، وفرط في الأمر الذي لايسع أحدًا التفريط فيه !!
فأنت ترى الإفراط التفريط في الاتجاهات الثلاثة الأولى ، والتوسط في الاتجاه الرابع ، والتوفيق بيد الله .