فإن قالوا بالقول الأول ؛رد عليهم الواقع ، وإن قالوا بالثاني فكيف ينادون بالجهاد المسلح والأمة كذلك ؟ أليس الله عز وجل يأمر بإعداد العدة: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) وهذا الأمر يتضمن مسألتين:
الأولى: إيجاد الفئة التي هُيّئت لهذا الخطاب (وأعدوا ) فلو كان المسلمون على الوصف السابق فهم بحاجة إلى إيجاد أمة قد رُبِّيت تربية صحيحة تخاطب بهذا أولا ، ثم تخاطب بعدذلك بإعداد القوة.
الثانية: الأمر بالإعداد الذي يوقع الرهبة في العدو ، فما لم يوقع الرهبة فليس هو الإعداد الذي أُمرنا به، ولا يجوز الإقدام به على الحرب التي تستأصل المسلمين بلا نكاية في العدو تدرأ فتنتهم ، وتجعل كلمة الله هي العليا.
والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد استؤذن من بعض أصحابه في مكة ليأذن لهم في القتال ، فأمرهم بالكف ؛ لأن الله عم وجل يعلم أنهم إن قاموا بذلك ، ولم يتموا العدة والقوة ، فستكون الدائرة عليهم ، ولا يراد بالجهاد الانتحار واستئصال ما بقي من المسلمين ، إنما يراد به عزة الدين ، فإذا كان الجهاد يؤول إلى عكس المقصد الشرعي من الجهاد فهو فساد ، وليس بجهاد .
ولو سألنا من ينادي بذلك: هل المؤمنون بفكرته يقدر كل منهم في قريته أومدينته على جهاد أهلها ـ لو سلمنا له بقوله بأنهم أهل لأن يُجَاهدوا ـ أم غير قادرين ؟ فإن قال: نعم ، هم قادرون ، كذَّبه الواقع ، وإن قال: لا، غير قادرين،فلماذا يصرخ فيهم بما يكلفهم فوق طاقتهم ؟ فإن قال: نحن في مقام جهاد الدفع لا الطلب ، ولايُشترط فيه وجود قوة ، إنما يُراد إخراج الكفار من بلاد المسلمين .