3 -قال ابن القيم: فإن قيل قد ثبت في الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال لم يختضب قيل قد أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال: قد شهد به غير أنس رضي الله عنه على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خضب , وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد (184) .
وقد جمع البعض بين الأحاديث بالآتي:
قال ابن حجر: وحاصله أن من جزم أنه خضب كما في ظاهر حديث أم سلمة , وكما في حديث ابن عمر أنه - صلى الله عليه وسلم - خضب بالصفرة , حكى ما شاهده وكان ذلك في بعض الأحيان , ومن نفى ذلك كأنس فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله.
وقد أخرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: ما كان في رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ولحيته من الشيب إلا شعرات كان إذا ادهن وارهن الدهن (185) , فيحتمل أن يكون الذين أثبتوا الخضاب شاهدوا الشعر الأبيض , ثم لما واراه الدهن ظنوا أنه خضبه. والله أعلم (186) .
وذكر القاضي عياض وغيره قول الطبري في الجمع بين الأحاديث: والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتغيير الشيب , وبالنهي عن تغييره كلها صحاح وليس فيها شيء يبطل ما خالفه , لكن بعضها عام وبعضها خاص , فالمراد بأحاديث التغيير الخصوص مما كان مثل شيب أبي قحافة , فأما الشمط ففيه النهي عن التغيير والبقاء على الشيب , واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك , مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس على الوجوب للإجماع على هذا , ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك, ولا يصح أن يقال أن أحدهما نسخ الآخر لعدم دليل ذلك , ومعرفة المتقدم من المتأخر من ذلك (187) .
الترجيح:
بما أن الأحاديث التي رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتغيير الشيب , وبالنهي عن تغييره كلها صحاح وأمكن الجمع بينهما , فيبدو لي - والله أعلم - أن يترك فعل الأمرين على حسب حال الإنسان وبيئته , فإذا كان أحد الأمرين معتادًا ببلد