فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 161

وبسبب بطء سير السفينة كما أشرت فقد دامت الرحلة أكثر من يوم وليلة على ما أذكر والبوم الذي نحن بصدده يسمى بالمصطلح المحلي (بوم قَطَّاع) وهذا النوع من السفن الشراعية يستعمل لنقل البضائع في منطقة الخليج وهو عادة أصغر حجما من (البوم السفَّار) الذي يكون مهيئًا للسفر خارج منطقة الخليج مثل الهند وشرق أفريقيا وقد تصل حمولة الواحد منه ما بين 350 و 400 من الأطنان .. وعلى ذكر هذه الرحلة فكان الخيار محدودًا فيما يتعلق بوسائل السفر فالبواخر في تلك الأيام مع وجودها لم يكن قد تم تنظيم مواعيد سفرها بين الكويت والبصرة كما أن الطريق البري لم يكن مطروقًا من قبل السيارات التي لم يبدأ سيرها بانتظام إلا في عام 1927 كما سيأتي ذكره وكان السفر برًا بين البصرة والكويت يتم في تلك الأيام وما قبلها بواسطة الجمال أو البغال وكانت مدينة الزبير محطة هامة لتلك القوافل.

واصلنا سيرنا البطيء نحو الفاو فوصلناها عند المغرب وقد أرخى الظلام سدوله. فبتنا فوق البواري كما أشرت وفي الصباح قبل طلوع الشمس أذن المؤذن لصلاة الفجر ثم تناولنا الشاي وعندما طلعت الشمس غمرت بأشعتها الذهبية أشجار النخيل المتراصة على ضفتي النهر ومع صعوبة تلك الرحلة ومشقتها إلا أني كنت أشعر بسعادة عارمة ولأول مرة منذ مغادرتي الكويت. حيث بعد تلك الغيبة الطويلة بدأ حلم العودة يتحقق.

ارتفعت الشمس وبدأت حرارتها تشتد شيئًا فشيئًا وكانت السفينة قد ألقت مراسيها أمام مركز الكمرك القديم الذي بناه الأتراك وإذا بنا نرى عن بعد زورقًا بخاريًا يقف بجانب المركز ويرفرف عند مؤخرته علم الكويت!

فصاح جدي هذا (لنج) عبدالعزيز السالم، وطلب جدي من ربان السفينة (النوخذة) أن يأمر بعض بحارة البوم لتوصلنا إلى الزورق بواسطة القارب الصغير المربوط بمؤخرة السفينة والمخصص لمثل هذه الخدمات ويسمى بلغة أهل البحر (القلص) . وعند اقترابنا من الزورق البخاري تأكدنا بأنه الزورق الذي يستعمله عبدالعزيز في تنقلاته بين البصرة والفاو والكويت للإشراف على أملاك آل الصباح، هذه الوظيفة ا لتي ورثها عن أبيه سالم البدر عند وفاته عام 1895 حيث كان سالم البدر يقوم بهذه المهمة منذ عهد صباح الثاني حاكم الكويت الرابع. عرف المرحوم عبدالعزيز السالم بأننا متجهان إلى الكويت فعرض على الجد أن نصحبه في هذه الرحلة فقبل العرض مسرورًا وشاكرًا وعدنا الى البوم ودفعنا للنوخذة أجرته وحملنا أمتعتنا إلى (اللنج) وما هي إلا لحظات حتى حان وقت الغداء وشتان بين ذلك الغداء الدسم والوجبات البسيطة التي تناولناها في البوم. وقضينا ذلك النهار في الفاو وبتنا ليلتنا في الزورق وفي الصباح الباكر غادرنا الفاو وباتجاه الكويت. وكانت سفرة من أسعد السفرات بالنسبة لي على الأقل. ومن حسن الطالع أن البحر كان هادئًا في ذلك اليوم والنسائم الباردة تهب علينا من كل الجهات بسبب حركة القارب وصوت المحرك الرتيب تتردد أصداءه وكأنه بالنسبة لي يعزف إحدى السمفونيات الخالدة وواصلنا المسير حتى مال قرص الشمس الأحمر نحو الغروب ومررنا بين جزيرتين وعرفت من الجماعة أن التي على اليمين اسمها (مسكان) والتي على الشمال هي جزيرة (فيلكا) . وما هي إلا لحظات حتى اختفى قرص الشمس في اللانهاية. وأصبحنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت