فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 161

وبشهادة الكثيرين ممن أرخوا لتلك المرحلة من عرب وأجانب فإن الملك فيصل الأول لم يكن ألعوبة بيد الإنجليز بل كان في كثير من الحالات يقف إلى جانب المعارضة من أجل تحقيق الأماني الوطنية للشعب العراقي بقدر ما كانت تسمح به الظروف وقد قاسى من وراء ذلك الكثير من المصاعب والمتاعب مع المواطنين ومع الإنجليز على حد سواء كما سبق وذكرت.

وكانت البلاد تمر في تلك الأيام في فترات من الأمن والرخاء لم تعهدها من قبل وبسبب ظروف الحرب وما بعدها وانتعشت التجارة وارتفعت أسعار الأراضي والمحاصيل الزراعية وظهرت ثروات بيد بعض الأفراد لم تكن معروفة من قبل وارتفعت أسماء وهبطت أسماء. وكما هو الحال في كل زمان ومكان فعندما تأتي الثروة بسرعة يسهل مجال الصرف والبذخ وهكذا بين عشيته وضحايا زالت معظم تلك الثروات وباع البعض أملاك آبائهم وأجدادهم بسب تعودهم على تلك الحياة الباذخة ثم أصبحوا على بساط الفقر.

العودة إلى الكويت

في صيف 1923 أي بعد سنتين من مغادرتي الكويت وصل جدي لأمي إلى البصرة وقابل الوالد وطلب منه الموافقة على سفري معه إلى الكويت لزيارة الوالدة فوافق الوالد لا سيما وأن عطلة الصيف قد بدأت. ولا أستطيع أن أصف فرحتي عندما أخبرني جدي بأن الوالد وافق على سفري وبلمح البصر لملمت بعض حوائجي المتواضعة حيث ذهبنا إلى العشار وهو الاسم الذي يطلق على جزء من مدينة البصرة المشرف على نهر شط العرب ويقال انه سمي بهذا الاسم حيث كانت السلطة أو الحكومة لها موظف هناك يجبي ضريبة العشر على السلع والأطعمة المستوردة إلى داخل المدينة.

قضينا ليلة في أحد الخانات هناك وفي الصباح ركبنا بأحد الأبلام العشاريه وتوجهنا نحو (بوم) كويتي ألقى مراسيه في الشط وكان محملًا (بالبواري) جمع بارية وهو نوع من الحصران المصنوعة من القصب والتي أشرت إليها في مناسبة سابقة. وبسبب خفة وزن البواري فإن ارتفاع الحمولة كان يعلو على سطح السفينة الذي لم يبق منه إلا بضعة أقدام مربعة مما اضطرنا إلى الصعود على البواري والنوم فوقها ليلًا.

لا أتذكر متى تحركت السفينة ولكن أتذكر أن الريح الشمالية التي كانت تهب في ذلك الوقت كانت ضعيفة ولهذا فإن مجرى تلك السفينة الشراعية كان بطيئًا كذلك كان مجراها يتأثر بتيارات المد والجزر التي امتاز بها نهر شط العرب.

كان اتجاهنا نحو الفاو وهو ميناء البصرة الذي يقع عند ملتقى شط العرب بمياه الخليج وهناك يوجد مركز للجمارك ومحطة تلغراف منذ أيام العهد العثماني وقد أجرى عليها الإنجليز بعض التحسينات ولم تكن هناك إدارة للجوازات ولهذا لم يطالبنا أحد بجواز لا في العشار ولا في الفاو ولم أكن أحمل جوازا على أي حال!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت