فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 161

اليومي للفلاح كما شاهدته الرز المسلوق مع اللبن الرائب والخبز والتمر. أما الأدام فأحيانا يكون من السمك الذي قد يصطاده الفلاح أو أبناؤه من النهر. وهناك نوع من السمك المملح يجلب من منطقة الأهوار في شمال البصرة واشهر أنواعه (البرزم) وجمعه برازم وعلاجه بالملح قريب الشبه بالفسيخ المصري ومجلب إلى هذه المناطق بواسطة الأبلام أو (المشاحيف) التي هي قريبة الشبه بالجندول الإيطالي وتكون عادة ذات لون أسود لأنها مطلية من الخارج بالقار لكي يحفظها من تسرب المياه ومن الغريب أن غالبية الذين يمارسون مهنة البيع في الأنهر بهذه (المشاحيف) والمفرد يسمى مشحوف من النساء اللاتي ينتمين إلي قبيلة (المعدان) في منطقة الأهوار والمفرد للمذكر معيدي وللمؤنث معيدية ولأنهن يأتين من مسافات بعيدة فقد هيأن أنفسهن للعيش في مراكبهن كما يفعل بعض سكان الشرق الأقصى. وتتم عملية البيع والشراء غالبًا بطريقة المقايضة بالتمر. هذا في السمك أما اللحم فان الفلاح لا يستطيع شراءه إلا بالمناسبات لغلائه نسبيًا أما الدواجن فهي متيسرة ولا يخلو منها بيت في الريف وعلى ذكر منطقة الأهوار في شمال البصرة أعتقد أن من الفائدة إعطاء نبذة عابرة عنها فالمنطقة عبارة عن بحيرات هائلة من المياه الضحلة تقدر مساحتها بآلاف الكيلومترات وتزداد هذه المنطقة اتساعًا في موسم الفيضانات لنهري دجلة والفرات في فصل الربيع حيث تصل المسافة المغمورة بالمياه إلى مشارف مدينة الكوت وأشهر هذه الأهوار هو هور الحفار وتكثر في هذه البحيرات الهائلة أنواع من الأسماك النهرية كما تتواجد فيها الخنازير الوحشية التي تعيش بين أشجار القصب الكثيفة التي تنبت على الطبيعة وبكثرة ومن هذا القصب تصنع الحصران التي تسمى (البواري والمفرد بارية) ومن القصب والبواري تصنع بيوت القرويين هناك. كما أن قسما كبيرًا من أراضي هذه الأهوار صالحة لزراعة الرز لا سيما بالقرب من مدينة العمارة.

ولقد ألف الرحالة البريطاني ولفرد ثاسجر ( The Marsh Arabs-Wilfred Thesiger) كتابًا قيمًا وصف فيه وصفًا دقيقًا لتلك الأماكن وأهلها وقبائلها بعد أن عاش معهم عدة سنوات وتحمل شتى أنواع المشاق في سبيل هذه المهمة.

وأعود إلى الفترة التي دامت حوالي ثلاثة أشهر من صيف 1921 والتي قضيتها في بساتين النخيل حيث تفتحت أمامي ولأول مرة معالم عالم جديد وكيف أن موسم قطف التمور وتصديرها يفتح أبوابًا كثيرة للرزق لأهل البلاد ولغيرهم من تجار وعمال وحراس وأصحاب الحرف المختلفة وقد رأيت رجالًا من نجد يأتون في هذا الموسم لكسب الرزق ويقومون بمهمة الحراسة في بساتين النخيل.

العودة إلى المدرسة

عدت إلى المدرسة بعد عودة العائلة إلى مدينة البصرة أو بعد انتهاء موسم تصريف التمور وكما أشرت سابقًا فإن تلك السنة كانت أولى سنوات الحكم الوطني في العراق ويذكر الأستاذ ساطع الحصري في كتابه (مذكراتي في العراق) عن المرحلة ما بين 1921 - 1927 أنه كان في وزارة المعارف مستشار إنجليزي وكان يسير على خطة المستر دنلوب المشرف على شئون المعارف في الحكومة المصرية. فالدراسة الابتدائية كانت ست سنوات، اثنان منها تسمى أولية والأربعة الباقية تسمى ابتدائية - أي كانت التسمية أول أولى، ثاني أولى، ثم أول ابتدائي وهكذا وقد أجرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت