تعتبر مدينة القرنة ضمن الحدود الشمالية لمنطقة البصرة حيث عندها يلتقي النهران العظيمان دجلة والفرات ويتفرع منهما النهر الكبير المسمى (شط العرب) وعلى ضفتي هذا الشط العظيم تقع بساتين النخيل حتى مدينة الفاو حيث تلتقي مياه شط العرب بمياه الخليج. وفي هذه المنطقة تزرع مئات الأصناف من التمور وقد ذكر الشيخ عبدالقادر باشا أعيان في كتابه -النخلة سيدة الشجر- ستًا وثمانين صنفًا سماها بأسمائها وأشهرها (البرحي) والحلاوي والخضراوي والساير أو السعمران والقنطار الى آخر القائمة. وقد أشار إلى البرحي فقال أن تمر البرحي لم يكن معروفًا إلا في حوالي المائة عام حيث نبتت هذه الشجرة المباركة في أرض براح أي مكشوفة تملكها عائلة معروفة في مدينة أبي الخصيب وهي عائلة -آل زيدان- فوجدوا أن ثمرها كان من النوع الممتاز الذي لم يكن معروفًا لديهم في الماضي فسموه (برحي) واهتموا به وتكاثرت زراعته يومًا بعد يوم.
ومما لا شك فيه أن شجرة النخل شجرة مباركة فقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في عدة سور ومنها سورة مريم وبسبب وفرة المواد السكرية في التمر فبالإمكان الاحتفاظ به مددًا طويلة دون أن يتلف ومع احتفاظه بطاقته الغذائية الكبيرة ولهذا فإن التمر كان أحد المواد الغذائية الرئيسية التي تزود بها السفن عند إبحارها لأشهر طويلة وكذلك بالنسبة للقوافل التي ترتاد الصحاري القاحلة. ولم يكن في المنطقة أي بيت كبيرًا كان أو صغيرًا إلا ويحتفظ بكمية من التمر كمادة غذائية رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها وذلك تمشيًا مع الظروف المعيشية التي كانت سائدة في تلك الأيام. وهناك مواد أخرى في النخلة ذات فائدة لا يستهان بها فجذع النخلة يستفاد منه في عدة أمور مثل تسقيف البيوت وأنا أذكر أن بعض البيوت الكويتية القديمة كانت سقوفها من جذوع النخل. كذلك فإن سعف النخلة يستعمل للوقود كما تصنع من جريد النخل بعض الحوائج المنزلية مثل الأسرة والأقفاص وغيرها ويصنع من (الخوص) أوراق السعف الحصران والسلال وغيرها.
الحياة في أرياف البصرة
الواقع أن الحياة الريفية في البصرة في تلك الأيام كانت أيسر وأوفر لا سيما وأن المنتقل إلى الأرياف لا يفقد الكثير من حياة المدينة فالكهرباء لم تكن موجودة في المدن ولم تكن هناك مياه تصل إلى البيوت كما سبقت الإشارة وغالبًا ما تكون غير نظيفة لا سيما إذا كانت منقولة من الأنهار الفرعية.
أما في الأرياف الواقعة علي شط العرب أو على فروعه الرئيسية فإن مياه الشرب فيها أنظف بكثير.
والحقيقة أن المعيشة الريفية كانت مريحة ورخية حتى بالنسبة للفلاح فمع الدخل البسيط الذي يحصل عليه فإنك لا تشعر بأنه معرض إلى نقص في التغذية فمن النادر أنك تجد فلاحًا لا يملك بقرة وكان سعرها في ذلك الوقت لا يزيد على الأربعين روبية أي ثلاثة دنانير للأنواع الممتازة. والبقرة في الريف لا تكلف الفلاح شيئًا لأن علفها متيسر وبكثرة. وزوجة الفلاح لا تقل نشاطًا عن زوجها سواء في داخل البيت أو خارجه فهي التي تهتم بشئون البقرة وطبخ الطعام وخبز الخبز يوميًا حيث أن الخبز لا يباع عند الخبازين في الأرياف بل يخبز في التنور داخل البيت أو خارجه. وغالبية الغذاء