فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 161

وكانت المياه المستعملة للبيوت على نوعين نوع مخصص للشرب وينقل للموسرين من شط العرب بواسطة (البلم) في أواني نحاسية تسمى الواحدة منها (مصخنة) وهو نفس النوع الذي تحمله النساء الفلاحات لنقل المياه من الشط الى بيوتهن. أما النوع الثاني من المياه وهو ما يخصص للأغراض المنزلية وهذا ينقله السقاء من شط العشار إلى البيوت ولم تكن توجد تصفية للمياه أو أي تعقيم ولهذا فالأمراض الباطنية منتشرة على أشكالها مثل (الدسنتطاريا) الزحار (والبلهاريزيا) البول الدموي وأمراض الديدان المعوية المختلفة. ناهيك عن مرض الملاريا الذي اشتهرت به البصرة في تلك الأيام وكنت من ضحاياه كما سيأتي ذكره وسبب انتشار تلك الأمراض المشار إليها إن غالبية أهل البصرة كانوا يشربون من مياه السواقي القريبة من مساكنهم وحتى مياه شط العرب التي أشرنا إليها لم تكن خالية من جراثيم تلك الأوبئة.

أعود إلى انتقالنا إلى البيت الريفي في الصالحية فأذكر أن حالتي النفسية القلقة المتأثرة بفراق الأهل والوطن قد طرأ عليها التغير وذلك بسبب تغير المكان والأشخاص فجمال الريف ومنظر الشط والسفن الشراعية والبخارية وجني ثمار النخيل وأشجار الفاكهة مثل العنب والخوخ (الدراق) والرمان تتدلى منها ثمارها وفي متناول اليد كذلك كثرة أنواع الخضار المزروعة حول البيت وعلى شواطئ السواقي الصغيرة المنتشرة بين أشجار النخيل. كما سنحت لي الفرصة للتعرف على أبناء الفلاحين الذين كانوا في مثل عمري وكنت العب معهم بمرح وانطلاق لم أعهده منذ فارقت الكويت.

ومع كل هذا فان الوالد رحمه الله كان يشدد علي الحصار بين الحين والآخر لا سيما وقت الظهيرة فكان يجبرني على النوم بالقرب منه خشية منه علي من الذهاب للاستحمام في النهر وتعرضي للشمس المحرقة وغير ذلك من الأخطار. وكانت هناك أيام استمتع بها بكامل حريتي وذلك عندما يغادر في الصباح إلى العشار والبصرة ولا يعود إلا في المساء وذلك يحدث كل أربعة أو خمسة أيام. فمن السباحة في النهر وعدم النوم ظهرًا إلى قضاء معظم الوقت في بيوت الفلاحين القريبة من بيتنا واللعب مع أولادهم والذهاب معهم إلى أماكن بعيدة لجلب الحشيش إلى أبقارهم التي لا يكاد يخلو منها بيت.

وعلى ذكر الفلاح فقد كان عندنا في أرض الوالد التي كانت تبلغ مساحتها حوالي ثلاثين جريبًا (الجريب حوالي أربعة آلاف متر مربع) أو فدانًا أربعة فلاحين مع عائلاتهم يسكنون في الأرض بصورة دائمة ولهم حصة معينة سنوية بعد بيع محصول التمر توزع فيما بينهم. كما أن للفلاح الحق في زرع ما يشاء من الخضروات لاستهلاكه وبيع ما زاد منها عن حاجته ولكن الفلاحين البعيدين عن مركز المدينة يصعب عليهم بيع الفائض عندهم بسبب صعوبة المواصلات ولذا تجدهم لا يهتمون كثيرًا في زيادة الإنتاج عن حاجتهم. كذلك فيما يتعلق بالفاكهة فان لهم الحق أن يأكلوا منها مع عدم السماح لهم بالبيع لأن الفاكهة تعتبر ملكًا لصاحب الأرض ويعتبر هذا النوع من الاتفاق هو المتعارف عليه غالبًا بين الفلاح والمالك وعلى العموم فالفلاح في العراق في تلك الأيام ومما بعدها حتى ثورة تموز (يوليو) 1958 كان خاضعًا لنوع من النظام الإقطاعي لا سيما في منطقتي دجلة والفرات حيث تنتشر زراعة الرز والقمح والشعير بصورة خاصة وقد سمعنا قصصًا كثيرة عن قسوة الإقطاع هناك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت