فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 161

وكانت المدرسة كما ذكرت ابتدائية تبدأ بالصف الأول وتنتهي بالسادس. وكان يوجد صف تحضيري أشبه (بالروضة) اسمه"صف الصبيان"وقد ألحقوني به وكانت تدرس فيه مبادئ الكتابة والقرآن الكريم والحساب. وقد سبق لي كما ذكرت أن تعلمت شيئا من ذلك في الكويت ولذلك شعرت أني في مستوى أعلى. ولم تطل الإقامة في المدرسة حيث بدأت العطلة الصيفية بعد بضعة أيام.

وكان ذلك الوقت بداية نضوج ثمر النخيل (التمر) وكانت عادة بعض ملاك بساتين النخل في تلك الأيام الانتقال إلى تلك البساتين للإشراف على جني الثمار ويسمونه (موسم القصاص) أي قص العثوق المتدلية من النخلة والمحملة بالتمر. وكانت لهم بيوت ريفية غالبها يقع على شواطئ الشط أو على أحد فروعه الكثيرة وكانت للوالد قطعة من النخيل تقع في جزيرة الصالحية الواقعة بين شط العرب والنهر المسمى باسمها. وكان لنا هناك بيت ريفي بسيط تقضي فيهالعائلة فترة ثلاثة أشهر تنتهي مع انتهاء موسم قطف التمور وبيعها.

وهكذا تم الانتقال إلى هناك بواسطة البلم الذي كان أهم واسطة للنقل في تلك الأيام لا سيما وأن البصرة كما ذكرت يخترقها الكثير من الأنهار المتفرعة من شط العرب حيث تروي بواسطتها الكثير من بساتين النخيل وفي الوقت نفسه تقوم بمهمة طرق للمواصلات النهرية بين قرى وأماكن كثيرة وقد اشتهرت البصرة منذ القدم بهذه الأنهر.

وفي تلك الفترة التي أتحدث عنها (عام 1921) لم تكن خطوط الكهرباء أو الماء قد وصلت إلى البيوت ولهذا فإن الحياة في الأرياف لم تكن تختلف كثيرًا عن الحياة في المدن وقد تكون في كثير من الأحيان أيسر من الناحية المعيشية بصورة خاصة. وعلى ما أذكر فإن الكهرباء لم تصل إلى معظم البيوت في البصرة إلا في عام 1927 ولم تصل المياه عن طريق الأنابيب إلا في عام 1925.

كان بيت الوالد يقع في محلة الباشا وهو مبني على الطراز القديم كما ذكرت وكان قبل ذلك تملكه عائلة الشبيلي النجدية وكان يستعمل (خانًا) لخزن البضائع وأتذكر أن الوالد كان عندما يريد أن يصف الموقع لإيصال بعض حاجات البيت يقول للشخص هل تعرف (خان الشبيلي) ؟

والبيت مؤلف من طابقين طابق أرضي فيه غرف واسعة مظلمة معد لخزن البضائع والطابق العلوي كان مخصصًا للسكن أما الباب الخارجي للبيت فكان أشبه بأبواب القرون الوسطى ذي فردة واحدة طولها حوالي مترين ونصف وعرضها يزيد على المتر والربع وسمكه بحوالي العشرين سنتمرًا وليست له مفاصل بل يرتكز على محور أرضي من الحديد ومحور آخر علوي وذلك لسبب ثقله وله عوارض خشبية من الداخل مثبتة بمسامير ضخمة بارزة من الخارج كما كان له قفل ضخم مثبت من الداخل من الحديد وللقفل (الكيلون) مفتاح ضخم طوله حوالي ثلاثين سنتيمترًا وتسمع رنينه عندما يقفل من مسافة بعيدة. ومن الواضح أن صنع أبواب المنازل بهذه الضخامة مرده إلى اضطراب حبل الأمن في العهد العثماني كما سبقت الإشارة. ويقع بيت متصرف البصرة -أحمد باشا الصانع- بالقرب من بيتنا وصدف في تلك السنوات أن زار الملك فيصل الأول البصرة ونزل في بيت المتصرف على ما أذكر وقد ازدانت شوارع المحلة بالزينات وفرشت الشوارع بالسجاد العجمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت