فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 161

وإليك مثالًا على ذلك ما كتبه شاهد عيان وهو المحامي المعروف سليمان فيضي في كتابه (في غمرة النضال) عن تلك الأيام. أيام العهد العثماني في العراق عامة والبصرة خاصة فيذكر بالنص"كانت من نتائج سوء الإدارة أن فقد الأمن في ربوع البلاد وأصبح اللصوص وقطاع الطرق في مأمن من العقاب يرتكبون جرائمهم في وضح النهار دون خوف أو وجل وكان الحال في المدن الكبرى مثل بغداد والموصل أهون شرًا منها في النواحي البعيدة ولكنها في البصرة بلغت حدًا خطيرًا حتى ساد فيها قانون الغاب وأصبح من هم الناس أن يحرسوا أملاكهم بأنفسهم وأن يدافعوا عن حياتهم بسلاحهم". ثم يواصل الكاتب حديثه فيقول:"وأنا أذكر جيدًا الحوادث المؤلمة التي كانت تروع سكان المدينة الآمنة بين حين وآخر وأذكر كيف كان بعض الرجال المدججين بالسلاح يدخلون السوق الرئيسية في وضح النهار فينهبون أموال الصيرفيين ويقتلونهم ثم يخرجون آمنين وأذكر أيضًا تلك الأمسيات القاتمة عندما تهاجم عصابة من أربعين أو خمسين شخصًا مسكن أحد الأثرياء أو مخزنًا تجاريًا فيقلعون الأبواب والنوافذ ويدخلون ويفتكون بساكنيها لا فرق عندهم بين صغير أو كبير في حين يقوم أعوانهم في سد الطرق المؤدية إلى المكان. فإذا انتهى الغزو حملوا المسروقات إلى البساتين المتاخمة لاقتسام الغنائم وهم يرددون الأهازيج ويطلقون الرصاص اعتباطًا .. كل هذا والحكومة ساهرة على الأمن وأعز الله السلطان!"

ويواصل الكاتب وصفه لتلك الأيام السوداء فيقول:"وأذكر جيدًا يوم اغتيل الحاج منصور السلمان عميد أسرة السلمان المعروفة بالبصرة بينما كان جالسًا في مقهى التجار في البصرة المكتظة بالوجوه والأعيان وكيف سار الشقيان الهوينا بعد اقتراف جريمتهما المنكرة وتواريا عن الأنظار آمنين. وبصورة مماثلة اغتيل خالد باشا العون شيخ الزبير آنذاك في عرض الشارع المؤدي إلى جامع (ذي المنارتين) في البصرة". انتهى ..

هذا شيء من تاريخ البصرة الحديث أما تاريخها القديم فقد بدأ في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أمر ببنائها سنة 15 للهجرة قرب مكان يسمى الخريبة قرب مدينة الزبير الحالية لتكون قاعدة عسكرية أمامية للمسلمين لفتح العراق وبلاد فارس وقد بنى فيها الإمام علي رضي الله عنه الخليفة الرابع مسجدًا كبيرًا لا تزال آثاره باقية عند مدخل مدينة الزبير من الشرق. كما وقعت قربها معركة الجمل المشهورة. وقد اشتهرت البصرة في العهود الإسلامية الأولى كمركز هام للثقافة الإسلامية والعربية كما اشتهرت بعلمائها وفقهائها في الدين واللغة العربية من أمثال الحسن البصري والجاحظ وأنس ابن مالك وبشار ابن برد والخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي وضع أوزان وبحور الشعر وأبي الأسود الدؤلي وغيرهم وعندما بدأ الانحلال يظهر في الخلافة العباسية سرت العدوى إلى مدن العراق ومنها البصرة فقامت ثورة الزنج والقرامطة ثم توالت عليها النكبات خلال فترة الحكم العثماني التركي الذي دام أربعة قرون والذي انتهى بالاحتلال البريطاني كما سبقت الإشارة.

ومادمنا في سياق الحديث عن التاريخ فإن عام 1921 كان عامًا له أهمية خاصة في تاريخ العراق الحديث حيث في شهر مارس (آذار) من ذلك العام انعقد (مؤتمر القاهرة) وحضره نخبة من رجال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت