وصلنا البصرة ودخلنا البيت قبيل آذان العصر بقليل فرأيت الوالد جالسًا في فناء الحوش على حصير من الجولان (نبات نهري ينبت على شواطئ نهر شط العرب له ساق طويلة قد تصل إلى أكثر من متر وتصنع منه الحصران وتستعمل بكثرة في فصل الصيف. كما يستعمل الجولان لا سيما ذي السيقان القصيرة كعلف للحيوان. وكانت السفن تجلب منه كميات كبيرة الى الكويت) ومتكئا على بعض الوسائد وبقربه زوجته وطفلها الذي لم يتجاوز السنة وقد وصلا منذ بضعة أشهر إلى البصرة وكانت صينية الشاي في الوسط فسلمت عليه ومد لي يده فقبلتها ثم أخذ يسأل الخادمة عن تفاصيل السفرة وخرج بعد ذلك كعادته لصلاة العصر والذهاب إلى القهوة الذي اعتاد الجلوس فيها في محلة السيف ولم يعد إلا بعد صلاة المغرب وتناولت العشاء معه ثم صعدنا إلى السطح للنوم حيث كان الوقت صيفًا. وكانت وسائل الإضاءة الفوانيس التي تضاء بالنفط كما هو الحال في الكويت حيث لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى المساكن في تلك الأيام. وهكذا انتهت مرحلة من حياتي ودخلت في مرحلة جديدة تقرر فيها مصير المستقبل بالنسبة لي {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم} . كما جاء في الآية الكريمة.
أحوال البصرة في تلك الأيام
ولمحة سريعة عن تاريخها
كانت معالم الاحتلال العسكري البريطاني تشاهد في معظم الأماكن لا سيما في دوائر الحكومة. وأفراد الجيش الهندي وضباطهم الإنجليز حيث كانوا يشاهدون في معظم الأماكن إذ لم يمض على انتهاء الحرب العالمية الأولى سوى ثلاث سنوات.
وقد احتل البريطانيون البصرة في شهر نوفمبر سنة 1914 بعد معارك لا تكاد تذكر باستثناء معركة الشعيبة الحاسمة شمال غربي مدينة الزبير والتي كانت نتيجتها هزيمة الحامية التركية وانسحابها إلى الشمال فقد كانت غالبية أفرادها من المجندين المحليين يقودهم بعض الضباط الأتراك وبعضهم من رجال القبائل الذين تطوعوا للقتال بجانب الأتراك وكانت أهميتهم القتالية ضعيفة ناهيك عن نقص العتاد ومواد التموين.
أما الحملة البريطانية فجاءت من الهند محمولة على ظهر عدة بواخر تحرسها قطع كبيرة من قطع الأسطول البريطاني. وخلال فترة دخول هذه القوات إلى شط العرب ونزولها في البصرة وانسحاب القوات التركية، عمت الفوضى المدينة وكثرت أعمال النهب والسلب لا سيما في المناطق التجارية بالعشار وخاصة في مخازن البضائع في منطقة الجمرك وسميت تلك الأحداث (الفرهود) وهو مصطلح محلي يعبر عن أعمال الفوضى والسلب والنهب حتى إن بعض العوام في البصرة جعلوا لتلك الفترة أهمية تاريخية فيقولون (سنة الفرهود) لكن القوات البريطانية استطاعت بسرعة فرض سيطرتها على الموقف واستعملت القوة والحزم لوقف التجاوزات غير المشروعة ومنذ ذلك الوقت بدأت المدينة تنعم بشيء من النظام والاستقرار وسيادة القانون بصورة لم تعهدها خلال فترة طويلة أثناء الحكم العثماني.