وفي الأخير وجدنا مكانًا وضعنا فيه أمتعتنا وأدركنا الليل وكانت ليلة مزعجة لم أذق طعم النوم المريح بسبب الضجيج والحركة التي لم تهدأ. وببزوغ الشمس دخلت الباخرة شط العرب وقد بهرني منظر الشط والنخيل الباسقة على ضفتيه والباخرة تسير الهوينى منسابة في ذلك النهر العظيم.
ووصلنا إلى ميناء المعقل حيث ألقت الباخرة مراسيها عند الظهر وصعد إلى الباخرة بعض الموظفين وغالبيتهم من الهنود بلباسهم العسكري حيث لا زالت جيوش الاحتلال البريطاني باقية البصرة وبقية المدن العراقية.
وقد فاتني أن أذكر أنه كانت معنا خادمة جاءت مع أخي لخدمة والدته ثم عادت معنا وكانت من العبيد الذين استعادوا حريتهم بالعتق.
ونزلنا من الباخرة واستأجر لنا أخي (بلم) والبلم قارب نهري صغير يشبه الجندول وتشتهر البصرة به حيث كان واسطة من وسائط النقل المهمة في أنهر البصرة الكثيرة، ونزلنا إلى البلم أنا والخادمة ومعنا الأغراض وتوجه أخي الى البصرة بالسيارة. وميناء المعقل وأرصفته بناه جيش الاحتلال البريطاني عندما احتلوا البصرة عام 1914 وظل تحت إدارتهم وإشرافهم لفترة طويلة.
وسار بنا البلم وسط النهر متجهين من المعقل إلى ميناء العشار وبينما كنا وسط النهر الكبير شعرت بالعطش فقلت للخادمة إني أشعر بالعطش فأشارت بيدها إلى النهر وقالت بشيء من عدم الاكتراث اشرب من هذا، فعجبت لمبادرتها هذه وقلت لها كيف أشرب من ماء البحر فابتسمت ابتسامة التهكم وقالت هذا ليس بحرًا بل نهرًا وماؤه عذب ويمكنك أن تشرب منه فانحنيت فوق حافة البلم وبدأت العق من ذلك الماء وأروي عطشي وأنا في غاية الحيرة.
كانت رحلة البلم طويلة ومملة ولم يكن الهواء يساعد على استعمال الشراع لضعف سرعته فاضطر الملاح الذي في مقدمة البلم لاستعمال المجداف أما الملاح الذي في المؤخرة فكان يستعمل (الغرافة) وكانت مهمته مساعدة الملاح الذي في المقدمة وضبط سير البلم في المجرى الصحيح. وكلما طال الوقت ازددت مللًا وشعورًا بالوحدة والضياع، ومالي بهذا النهر العظيم وأشجار النخيل المتراصة على ضفتيه وحركة الأبلام والزوارق البخارية التي تمخر عبابه. وبدأ الحنين يتصاعد عندي إلى الأهل وأولاد الجيران وذلك الزقاق الضيق المترب وكل شيء حتى الكلاب السائبة التي كنا نطاردها بالحجارة. وفي النهاية دخلنا نهر العشار الصغير المتفرع من شط العرب والموصل إلى مدينة البصرة التي تبعد عن العشار بحوالي خمسة كيلومترات ورأيت البيوت المبنية من الطابوق والمكونة من طابقين على الضفة اليمنى من النهر ومنظرها يدل على أنها بيوت بعض الأغنياء وأصحاب النفوذ. أما الضفة اليسرى من النهر فكان يوازيها الشارع الرئيسي الذي يربط مدينة العشار بالبصرة وكانت تسير فيه بكثرة العربات التي تجرها الخيول ونسبة قليلة من السيارات وبعض الدواب التي تحمل مختلف السلع. وقد ألهتني هذه المناظر بعض الشيء عن حيرتي وضياعي.