وهكذا كان موقف عمار رضي الله عنه في قضية التيمم، وموقف حذيفة بن اليمان مع عثمان رضي الله عنه في الإتمام في السفر .. وكذلك موقف السلف وخيار الصحابة عندما اجتمعت الكلمة لمعاوية بن أبي سفيان، وتنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما له حقنًا لدماء المسلمين، وجمعًا لكلمتهم، وكذلك موقفهم من عبدالملك بن مروان لما اجتمعت له الكلمة .. وكذلك لأبي جعفر المنصور لما حاز الشوكة واجتمعت له الكلمة .. ولا شك أن هذه المواقف كلها أسهمت في جمع كلمة الأمة ولم شعثها واتحاد كلمتها، وكان هذا ولا شك خيرًا من المواقف الأخرى التي أدت إلى وقوع السيف في الأمة وشق عصاها، وحصول المآسي والمصائب العظيمة التي لم يجن المسلمون من ورائها إلا المصائب والعلقم وانشغال المسلمين بأنفسهم وتركهم الجهاد الحقيقي والغزو الحقيقي في سبيل الله، وهدر دماء المسلمين في الباطل.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال لمحمد بن مسلمة: [خذ هذا السيف فقاتل به، فإذا رأيت السيف قد وقع بين المسلمين فاكسره على صخرة من جبل سلع] (أخرجه أحمد(4/ 225) عن سهل بن أبي الصلت عن الحسن مرسلًا وذكره الحافظ في الإصابة (9/ 132) عن الحسن كذلك، والذهبي في السير (2/ 373) ، أخرجه أحمد (3/ 493) .. وقد فعل محمد بن مسلمة رضي الله عنه ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وجد السيف قد وقع بين الأمة.
والخلاصة: لا شك أن الإمام العام أصل عظيم من أصول اجتماع الأمة بل هو الذي يجعل الأصول السابقة كلها في مقام التطبيق. فلا اجتماع على كتاب ولا سنة، ولا يكون إجماع واتفاق إلا بإمام يقيم الأمة على الكتاب ويجمعها على السنة، ويكون موئلًا لأهل الرأي والشورى ومفزعًا للجميع من الفرقة والخلاف.
سادسًا: إخلاص الدين لله والقيام له وحده والبعد عن البغي والحسد والهوى:
ولا شك أن إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى شرط أساسي لقبول أي عمل من الأعمال كما قال تعالى: {فاعبد الله مخلصًا له الدين، ألا لله الدين الخالص} (الزمر:3) . وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له ديني} (الزمر:11) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه] (أخرجه الشيخان من حديث عمر) .
وهذه النصوص جميعها مبينة أنه لا يقبل عمل من أعمال الدين يراد به التقرب إلى الله سبحانه وتعالى إلا إذا كان خالصًا لوجهه الكريم، وابتغاء مرضاته.