وبالرغم من أن إخلاص العمل شرط في كل عمل إلا أن الإخلاص والقيام لله، والتجرد له وحده أشد طلبًا، وأعظم إلحاحًا عند الإدلاء بالشهادة والتعامل مع الناس، واختلاف الآراء، فلا وصول إلى الحق مطلقًا إلا بالإخلاص لله والتجرد له، ولذلك أمر سبحانه وتعالى المؤمنين أمرًا خاصًا بذلك عند الخصومات قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة:8) .. وهذا لأن العداوة قد تكون مدعاة إلى الظلم والتعدي، والشهادة بالباطل واستحلال الحرمات وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وعلى أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا} (النساء:135) .
وذلك لأن الرغبة في نصر القريب، قد تدفع إلى الشهادة بالباطل، وإلى المماطلة في الحق ..
ولا شك أن التحاسد والتباغض والتنافس على الغرض الدنيوي وكذلك الرغبة في الظهور والشرف والرفعة كل ذلك من أعظم الأمور التي أفسدت على أتباع الرسل اتباعهم، وبذرت الشرور فيما بينهم، وجعلتهم يختلفون من أجل البغي والشقاق، والحسد لا لأنهم لم يعرفوا معرفته والوصول إليه .. قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (البقرة:213) .
وهنا نجد أن الله سبحانه وتعالى يبين أن أتباع الرسالات اختلفوا في الدين والكتاب بسبب البغي بينهم لا لأن الكتاب لم يوضح الحق، أو لأنهم عجزوا عن الوصول إليه، فما من رسول أرسله الله إلا وبين البيان الكامل، وأوضح الطريق، ووضح الحدود الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال.
ولكن أتباع الرسل ضلوا من بعدهم، واختلفوا في الحق بسبب التحاسد والتباغض والتدابر كما قال الله {بغيا بينهم} لا بسبب ضعف الدليل، وضمور الحجة، وخفاء السبيل ولكن الله برحمته سبحانه يهدي من يشاء من أتباع كل رسول إلى الحق من بعده، كما قال تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (البقرة:213) . وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ما من رسول الله بعثه الله إلا كان له أصحاب وحواريون يهتدون بهديه، ويستنون بسنته ثم تحدث من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل] (أخرجه مسلم) . والحديث يبين أنه يقع الاختلاف بعد الرسل زيادة في الدين ونقصًا وتقولًا .. وأنه توجد طائفة على الحق تجاهد عليه.
كما قال صلى الله عليه وسلم: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك] (أخرجه مسلم عن ثوبان) .