وهياجه وحماسه، تصارعه الضغوط من كل اتجاه ويجابه المشكلات من كل صوب، وفي هذا المناخ المضطرب تنمو أفكار التطرف ويصبح الصبر والتريث والتعقل بعيد المنال، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والخلاصة: أن الإمام عصمة من الخلاف وقاطع لدابر الشقاق، فهو موئل الأمة وملاذها ومن أجل ذلك أمرنا بالصبر عليه مع ظلمه، وعدم شق عصا الطاعة له مع انحرافه، وعدم الخروج عليه بالسيف إلا إذا كفر كفرًا بواحًا لا تأويل له، ولا تفسير له إلا الكفر البواح .. وأما في غير ذلك فقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه، والإذعان لأمره، وذلك أن افتراق الأمة أعظم الشرين، والعاقل إذا خير بين مفسدتين اختار أيسرهما، فالصبر على إمام ظالم جائر منحرف بعض الانحراف، خير لا شك من افتراق الأمة وشق عصاها، لأن في هذا ذهاب ريحها، وتفرق كلمتها، ولا شك أنه يحصل بذلك من الشرور أضعاف أضعاف ما يحدث من الصبر على جور الإمام.
والمطالع لسيرة سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يجد أنهم كانوا يعظمون الإمامة الكبرى جدًا ويضعونها في المقام اللائق بها.
فمن الأدلة على ذلك أن شأن الإمامة كان أول أمر فكر به المسلمون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة .. ولذلك قدموه على دفنه صلى الله عليه وسلم، لأن أي تسويف وتأخير في ذلك يترك الناس دون مرجع فيتصرف كل منهم بما يشاء، وما يحلو له، وما يؤديه إليه اجتهاده كما ذهب الأنصار واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار الإمام منهم .. ولو تركهم المهاجرون لكان لهم ما أرادوا، ولما استطاع المهاجرون إلا الإذعان لاجتهادهم والنزول على رغبتهم لقوله صلى الله عليه وسلم: [إذا بويع خليفتان فاقتلوا الآخر منها] (أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: [من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه بالسيف كائنًا من كان] (أخرجه مسلم عن عرفجة) .
ولا شك أنه لو اختار الأنصار أميرًا منهم وأذعن الجميع لذلك لكان في هذا ضررًا عظيمًا لم تكن لتجتمع على أنصاري ولأنه تقديم للمفضول على الفاضل مما يحرم أمة الإسلام من خير عظيم، وفضل واسع، ومما يدلك على تعظيم السلف للإمامة الكبرى اجتماعهم على الصديق، وتقديمهم لأمره واجتهاده، وتعظيمهم لذلك حتى إن عمر الفاروق ليجادل الصديق في قتال المرتدين ويقول له: كيف تقاتل قومًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون فيقول له: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال .. وهنا يقول عمر الفاروق: (فو الله ما إن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال حتى علمت أنه الحق) (أخرجه البخاري عن أبي هريرة) .
فانظر إذعان عمر ورجوعه إلى رأي الصديق واجتهاده، لأنه يعلم أن الله سبحانه قد طهر قلب الصديق، ويستحيل أن ينشرح صدره لباطل!!.