فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 24

تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر} (آل عمران:159) ، علمًا أن النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل مستغن عن المشورة بما كمله الله به من العقل الراجح، والبصيرة النافذة والنبوة والرسالة، ومع ذلك أمره الله بمشاورة أصحابه. وقال أبو هريرة ما رأيت أحدًا أكثر مشورة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استشار أصحابه في السلم والحرب، وتولية الأمراء، كما استشارهم في الإفك الذي رميت به زوجته الطاهرة الشريفة أم المؤمنين .. وعلى هذا المنوال سار أصحابه الكرام فكان الخلفاء لا يصدرون إلا عن شورى، ولا يفعلون إلا بعد ترو وتأن ظاهر، حتى تتضح الرؤية، ويظهر السبيل .. وباختصار. هذا الأصل يعني أن المسلم لا يجوز له أن يتوجه إلى العمل الذي تشتبه فيه الأدلة ويضطرب فيه الرأي، وتختلف فيه العقول إلا بعد رؤية ومشورة، ورجوع إلى أهل الفضل، والرأي والتجربة ليستنير المؤمن في دينه، ويعرف المجتهد طريقه.

ولعلي بهذا الشرح والبيان لهذا الأصل العظيم أكون قد وضعت يد إخواني على أصل هام، وأهديتهم أصلًا من الأصول العظام، وهو التريث والتثبت قبل إصدار الأحكام والرجوع إلى أهل الرأي والعلم قبل التصدر للفتيا بين الأنام، وتنزيل نصوص القرآن والسنة منازلها حيث أنزلها الله ورسول الإسلام.

خامسًا: رأي الإمام يحسم الخلاف:

الأصل الخامس من الأصول الواجب اتباعها وصولًا إلى وحدة الأمة، وتوحيد كلمتها وصراطها هو وجوب الإمام العام الذي يقيم الشورى، ويحكم بالإسلام، ويطبق شرع الله في الأرض، لأن مثل هذا الإمام هو الدرع الواقي لأمة الإسلام، وهو نقطة الالتقاء والملاذ عند الخلاف والاختلاف، وحكمه في النهاية المبني على الشورى، والنظر هو الحاسم للاختلاف، والقاطع لمادة الشقاق.

والنظر في تاريخ الأمة الإسلامية يوضح هذا الأصل تمامًا. فطالما كان للمسلمين إمام واحد تجتمع عليه الكلمة، ويجتمع عنده الشمل كان للمسلمين صراط واحد، وموقف موحد من المشكلات والقضايا التي تعترض سبيلهم، وكانوا فوق الريح كما يقال، وكلما انشقت العصا وكان للمسلمين أكثر من إمام، أو لم يكن لهم إمام كان المسلمون كالشياه المضيعة المطيرة لا راعي لها، كل طائفة منهم تضرب في اتجاه، وكل فريق منهم يسير في ناحية، وهذا هو حال الأمة الإسلامية اليوم .. لما لم يكن لهم مرجع وموئل يرجعون إليه وإمام عام يوحد كلمتهم في الأرض كلها، ويجمع شتاتهم وينسق جهادهم وجهودهم، فأنت تراهم اليوم يضربون في كل اتجاه على غير هدى ويفتون في كل مشكلة بغير بصيرة إلا من رحم الله، ولا يجتمعون أو يجمعون على رأي واحد قط وكيف يجتمعون أو يجمعون، وهم شتات في كل جنبات الأرض والسهام تنوشهم من كل جانب، والمشاكل تعترضهم من كل اتجاه فهذه البوسنة وكشمير وغيرها تشتعل بما فيها، وهذه أوطان المسلمين يغترب فيها الإسلام ويلاحق ويطارد -من السلطات الحاكمة- إلا ما شاء الله. وها هو الشباب المسلم في أماكن كثيرة يعيش الضياع الفكري والعقائدي، ويقع فريسة لجهله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت