الحكم المدني: وفى العصر الحديث قامت في الشرق الإسلامى حكومات مدنية كثيرة توطدت سلطاتها بين المحيطين وانضوت تحت ألويتها جماهير المسلمين. وهذه الحكومات- في أشرف صورها- أدت للشعوب خدمات من الحق أن نعترف بها، فقد جاهدت لتحرير البلاد من النير الأجنبى وقادت حركات نزيهة لإقرار الكرامة الوطنية. ومن رجال هذه الحكومات المدنية من ثابر على تحسين الأحوال الاجتماعية والاقتصادية التى كانت سيئة جدا في أعقاب اضمحلال النظام الإسلامى.. وجهد هذا النفر المخلص في رفع المستوى الثقافى والعمرانى لا يسوغ إهداره ولا تناسيه، خصوصا أنه أصلح بعض العوج الذى ساد أرجاء الأمة الإسلامية المترامية الأطراف في ظل السلطان التركى الشرود.. ثم إنه من العدل أن ننوه بالدساتير الفضفاضة التى ساقت للأفراد حريات رحبة كانوا من قبل محرومين منها، وأتاحت لمختلف الطوائف انطلاقا فكريا وعاطفيا موارا بالحياة والحركة. إننا نقر بهذه الحسنات لأننا نبصر الواقع كما هو، ولا نبخس الناس أشياءهم، لكن النجاح الذى حققته هذه الحكومات في تنظيف الأوطان من الاستعمار الأجنبى كان العامل الأكبر فيه هو الجهاد الإسلامى الذى اندفعت بحرارته جماهير الثائرين. والإنجليز والفرنسيون والطليان والهولنديون لم تتزلزل أقدامهم في البلاد التى احتلوها، ولم يكرهوا آخر الأمر على الجلاء منها إلا تحت تأثير هذا الجهاد الموصول.. والمشروعات العمرانية والثقافية التى نجحت وأفادت كان العامل الأكبر فيها ضمائر المؤمنين الذين يؤدون واجباتهم بإخلاص ويغلب على مسالكهم طابع الجد والدقة. ولما كانت الحكومة المدنية ليست- في جوهر تكوينها- وثيقة الصلة بالدين فإنه سرعان ما تطرق الوهن إلى عملها وهيبتها.. فتعثر خطوها في كل ناحية. وإذا بقيت على هذه الحال فإنها ستفقد أرباحها التى حصلتها بعرق ودم الأجيال المؤمنة وحدها.. ص _045