والإنسان المسلم يتحرى مرضاة الله فيما يفعل ويترك. وهو يعرف أن الله لم يدع البشر دون نظام يضبط أمورهم وقضاء حق يفصل في خصوماتهم فهو- بما وقر في قلبه من إيمان- يعظم أوامر الله ويرعى حدوده (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) وهو يحرص كل الحرص على تحكيم الله في منازعات عباده. لأن ذلك أولا حق الله. ولأنه آخرا ضمان العدل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) والإنسان المسلم لا يعبد هذه الحياة أو يراها الوجود كله أزله وأبده: لا. إنها فترة يجتازها الأحياء ليمتحنوا خلالها: أينسون ربهم أم يذكرونه؟ أيحقرون دينه أم يوقرونه؟ ثم هم منقلبون إلى الله يقينا ليجزى كل واحد منهم بما قدم وأخر. ومهما طال المدى فلابد من عود إليه. فإنك كالليل الذى هو مدركى وإن خلت أن المنتأى عنك واسع والإنسان المسلم يتعرف على آيات الله في كونه العجيب، ويحتفى بالعلم الذى يشرح دقائقها وقوانينها، ويحترم منطق الحياة الذى يصف وسائل النجاح والفشل. ولكنه لا يجعل من العلم حجابا عن الله، ولا من الكدح للحياة تنمية للشهوات. والبيئة التى يعيش فيها الإنسان المسلم ينبغى أن تخصب بهذه الحقائق وأن تكون معينة على ازدهارها. فإن من أهم وظائف الحكم في الإسلام أن يمهد لأتباعه الحياة المتجاوبة مع مشاعرهم النفسية، ومعاملاتهم الاجتماعية، في الوقت الذى يكفل فيه للآخرين عقائدهم وعباداتهم.. ص _044