إن هذه الحكومات لم تهتم بالتربية الدينية فنبت الأفراد على طبائعهم دون تهذيب. وسعة العلم وطول الدراسة مع فقدان العقيدة الدافعة الوازعة لا يجديان فتيلا، خصوصا في مجتمع تشبثت بترابه معالم الإسلام، فهى لا تفتأ تثبت نفسها، وتتقاضى حقها في التوجيه والقيادة..!! وقد رأينا مشروعات لا ينقصها صواب الفكرة ولا صدق الوجهة. ومع ذلك فقد زاغت وذابت، لا لشىء إلا لأن الأيدى غير المتوضئة هى التى باشرتها، والقلوب الخالية من الله هى التى سيرتها. إن الحكومات المدنية- في البلاد المسلمة- سوف تعجز عن تحقيق شىء طائل ما دامت مصرة على عزل الدين عن الحياة، وما دامت مصرة على تعريض المجتمع لعواصف التحلل والمجون والفوضى التى تهب من كل وسائل الإعلام... إن الفراغ والبرود اللذين يغمران النفوس- في ظل النظم المدنية المتجهمة لأحكام الإسلام- يستحيل أن تنجح بهما نهضة بل يستحيل أن تبقى معهما أمة... وقد كان الأستاذ"عمر بهاء الأميرى"يعنى هذه الحقائق عندما قال في المحاضرة التى ألقاها بقاعة الجامع الأزهر:"لعلى لا أكون مغاليا إذا قلت: إن آفة الآفات في أوطاننا اليوم هى اشتغال أحزابنا وحكوماتنا وحركاتنا السياسية والاجتماعية وسواها بقضايا الأوطان الدائمة والطارئة اشتغالا يصرف الجهد عن إعداد المواطن الصالح الذى يستطيع وحده أن يحمل العبء، ويثبت في الملمات، وينتج في بناء الوطن على أسس وطيدة من الإيمان والقوة والعرفان.. فالمواطن المسلم اليوم- وأكاد أقول جازما في العالم الإسلامى كله- ينشأ مسيبا مرسلا مع فتنة الحياة الصاخبة تميل به ذات اليمين وذات اليسار. فهو في البلاد المستعمرة ضائع في غمرة الكفاح الوطنى المتحرر. وهو في البلاد الناعمة بظلال من الاستقلال واثب مع العواطف الوطنية في وثباتها العامة. وهو هنا وهناك يحس بشىء من الغرور يخيل إليه معه أنه بهذه المشاركة أدى كل واجبه وبات يملك حق التحلل من ضوابط كثيرة كانت تقيده فى"