وضروب النشاط الإنسانى الأخرى ليست إلا وسائل لتمهيد هذه الحياة الفاضلة، وإراحة البشر وهم يمارسونها. وما تملكه الحكومات من قوى مادية ومعنوية ينبغى أن يكرس في هذا الاتجاه المبين، أى أن صبغة التعبد والإحسان لابد من أن ينطبع بها جهاز الحكم، وأن تنطبع بها أشخاص الحاكمين.. الحاكم يتقى الله في خاصة نفسه، ويقف بين الناس خطيبا يقول لهم: اتقوا الله، ويصرف شئون الدولة ومصالح الجمهور وفق معالم التقوى ورجاء ثواب الله، ومخافة عقابه.. ليس الحكم توفير الأقوات لمجرد الشبع، ولكن لينصرف الناس إلى رسالة الحياة الكبرى، وهى الحرص على رضاء رب العالمين، والتهيؤ للقائه بصحائف بيضتها الحسنات، وزانها الإيمان. ولا شك أن هناك فريقا من الحاكمين باسم الدين، قد خان رسالة الحياة، وآذى الله ورسوله وعباده، كما أن هناك فريقا من الحاكمين باسم الغايات الدنيوية العامة استغل الحكم لمآربه الخاصة. ولكن هؤلاء وأولئك لا يجعلون البشرية تقبل حكما ينسى الله، ويسخر من حقه، ولا يعدو نشاطه حدود هذا التراب. إنه من الخطأ الكبير الظن بأن الإسلام نظام أرضى على درجة ما من الصلاحية، والجدوى.. وحسب!! إنه قبل كل شىء علاقة سماوية بين الناس- فرادى وجماعات- وبين الخالق الأعلى، علاقة تميز العباد الذين أسلموا لله وجوههم بأنهم يعلون اسمه في كل أفق، ويلتمسون رضاه في كل عمل، وينبعثون عن أوامره في كل شأن..!! وقد يكون في الأرض خليط هائل من البشر الذين يجحدون هذه الحقائق، يقصونها إقصاء عن أفكارهم وأفعالهم. وقد يكون فيها من يتبع الهوى لا الهدى، ومن يحتبس نشاطه داخل النطاق الدنيوى البحت، بل قد يكون فيها من يحتقر الإيمان، ويضطهد أهله..!! ص _021