هـ- سمعنا الكثير والكثير عن ضعف رجال الحسبة وانتهاء دورهم في المجتمع، وكأن هذا المخبر يقول: سقطت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا سبيل إلى رفع رايتها.
نصح وإنكار لا إرجاف.
ولا نعني بكلامنا السابق أن نضع رؤوسنا في التراب ونغمض أعيننا عن الواقع وما فيه من الفساد، ونخدر الناس بأننا بخير والحمد لله تعالى، وأن ليس في الإمكان أفضل مما كان. وإنما ننكر على من يتكلم بروح انهزامية مشيعًا لليأس والخوف في صفوف المسلمين، دون أن يقدم حلًا أو علاجًا لما يذكره.
أما من كان من أهل الإصلاح، ويحذر المسلمين مما يقع في مجتمعهم من فساد أو شرور، مع الاتزان في كلامه دون تهويل ولا تهوين، ثم هو مع ذلك يتكلم بنبرة المسلم الحق المستعلي على الباطل، مشيعًا لروح الإصلاح والتغيير، وناشرًا لمعاني قوله تعالى: { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } [يوسف: 21] ، وقوله: { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } [الصف: 8] ، وهو مع ذلك أيضًا يقدم العلاج النافع والحل الدافع لما يذكره من خلل؛ أما من كان شأنه كذلك، فهذا إن شاء الله تعالى من المصلحين، وهو بذكره للخلل وعلاجه يكون ممن يعمل بقوله تعالى: { وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } [الأنعام: 55] .
وخلاصة القول: أن المسلم إذا رأى منكرًا فإنه لا يسكت عنه خشية الإرجاف في أوساط الناس، وإنما يغير المنكر بالمعروف، لا بما هو أنكر منه. والفطن الخبير أعلم بمنابت القصيص [1] .
دواعي الإرجاف:
إن المتأمل فيما قرأ سابقًا سيتضح له أن أسباب الإرجاف ودواعيه كامنة في غايتين.
الغاية الأولى:
(1) القصيص: شجيرة تنبت عند الكمأة وتُعرف بها مواطنها.