""""""صفحة رقم 3""""""
من الكتاب والمتأدبين ، أو كلام منثور لرجل من أهل العصر ، أو رسالة أو كتاب
بديع المعنى ، أو حسن النظم والنثر ، وممن لم يكن في الأيدي شعره ولا نثره ، ولا
تكرر نسخ ديوانه ، ولا ترددت معاني إحسانه ، وما فيه من مَثَلٍ طَرِيّ ، أو حكمة
جديدة ، أو نادرة حديثة ، أو فائدة قريبة المولد ، ليعلم أن الزمان قد بقي من القرائح
والألباب ، في ضرورة العلوم والآداب ، أكثر مما كان قديمًا أو مثله ، ولكن تقبل
أرباب تلك الدول للأدب أظهره ونشره ، وزهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره
وستره ، ولهذه الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول ، وردت أخبار هؤلاء
الملوك ، وخلت التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت ؛ لأن ذوي الفضل لا
يفنون أعمارهم بتشييد مفاخر غيرهم ، وإنفاق نتائج خواطرهم ، مع بعدهم عن
الفائدة ، وخلوهم من العائدة ، وأكثر الملوك وذوي الأحوال ، والرؤساء وأرباب
الأموال ، لا يجدون عليهم ؛ فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار والخطب ، وحوك
الرسائل والكتب التي تبقى فيها المآثر ، ما أقام الغابر ، فقد بخل هؤلاء ، وغفل
هؤلاء ، ورضي كل واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده ، والنقص فيما يعتمده ،
وإلا فقد خرج في أعمارنا وما قربها من السنين ، من مكنون أسرار العلم ، وظهر
من دقيق الخواطر والفهم ، ما لعله كان معتاصًا على الماضيين ، ومتنعًا على كثير من
المتقدمين ، وجرت في هذه المدة من الحوادث الكبار ، والوقائع العظام والانقلابات
العجبية ، والاتفاقات الغريبة ، والحيل الدقيقة ، والأمور المحكمة الوثيقة ، التي لا يوجد
مثلها سالفًا ، في أضعاف هذه السنين مضاعفًا ، ما لو قيد بتأليف الكتب ، وحفظ
بتصنيف الأشعار فيه والخطب ، أو خلد على شرحه في تواريخ السنين والحقب ،
لأوفى على ما سلف ، وتقدم في علو الراتب .
وقد أثبت من هذا أيضًا طرفًا طفيفًا ، ونبذًا موجزًا خفيفًا لئلا تخرج هذه
الأخبار عن سبيلها ، ولا تخلو مع ذلك من فنون لا توجد إلا فيها ، وليستفيد منها
العاقل اللبيب ، والفطن الأريب ، إذا طرقت سمعه ، وخالطت فهمه ، من آداب
النفس ، ولطافة الذهن والحسن ، ما يغنيه عن مباشرة الأحوال ، وتلقي مثله من أفواه
الرجال ، ويحثه على العلم بالمعاش والمعاد ، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد ، وما
تفضي إليه أواخر الأمور ، ويساس به كافة الجمهور ، ويجنبه من المكاره حتى لا
يتوغل في أمثالها ، ولا يتورط بنظائرها وأشكالها ، ولا يحتاج معها إلى إنفاد عمره في
التجارب ، وانتظار ما تكشفه له السنون من العواقب .
فأوردت ما كتبته مما كان في حفظي سالفًا ، مختلطًا بما سمعته آنفًا ، من غير
أن أجعله أبوابًا مبوبة ، ولا أصنفه أنواعًا مرتبة ، لأن فيها أخبارًا تصلح أن يذاكر