الصفحة 5 من 841

""""""صفحة رقم 3""""""

من الكتاب والمتأدبين ، أو كلام منثور لرجل من أهل العصر ، أو رسالة أو كتاب

بديع المعنى ، أو حسن النظم والنثر ، وممن لم يكن في الأيدي شعره ولا نثره ، ولا

تكرر نسخ ديوانه ، ولا ترددت معاني إحسانه ، وما فيه من مَثَلٍ طَرِيّ ، أو حكمة

جديدة ، أو نادرة حديثة ، أو فائدة قريبة المولد ، ليعلم أن الزمان قد بقي من القرائح

والألباب ، في ضرورة العلوم والآداب ، أكثر مما كان قديمًا أو مثله ، ولكن تقبل

أرباب تلك الدول للأدب أظهره ونشره ، وزهد هؤلاء الآن في هذا الأدب غمره

وستره ، ولهذه الحال ما انطمست المحاسن في هذه الدول ، وردت أخبار هؤلاء

الملوك ، وخلت التواريخ من عجائب ما يجري في هذا الوقت ؛ لأن ذوي الفضل لا

يفنون أعمارهم بتشييد مفاخر غيرهم ، وإنفاق نتائج خواطرهم ، مع بعدهم عن

الفائدة ، وخلوهم من العائدة ، وأكثر الملوك وذوي الأحوال ، والرؤساء وأرباب

الأموال ، لا يجدون عليهم ؛ فيجيد هؤلاء لهم نسج الأشعار والخطب ، وحوك

الرسائل والكتب التي تبقى فيها المآثر ، ما أقام الغابر ، فقد بخل هؤلاء ، وغفل

هؤلاء ، ورضي كل واحد من الفريقين بالتقصير فيما يجده ، والنقص فيما يعتمده ،

وإلا فقد خرج في أعمارنا وما قربها من السنين ، من مكنون أسرار العلم ، وظهر

من دقيق الخواطر والفهم ، ما لعله كان معتاصًا على الماضيين ، ومتنعًا على كثير من

المتقدمين ، وجرت في هذه المدة من الحوادث الكبار ، والوقائع العظام والانقلابات

العجبية ، والاتفاقات الغريبة ، والحيل الدقيقة ، والأمور المحكمة الوثيقة ، التي لا يوجد

مثلها سالفًا ، في أضعاف هذه السنين مضاعفًا ، ما لو قيد بتأليف الكتب ، وحفظ

بتصنيف الأشعار فيه والخطب ، أو خلد على شرحه في تواريخ السنين والحقب ،

لأوفى على ما سلف ، وتقدم في علو الراتب .

وقد أثبت من هذا أيضًا طرفًا طفيفًا ، ونبذًا موجزًا خفيفًا لئلا تخرج هذه

الأخبار عن سبيلها ، ولا تخلو مع ذلك من فنون لا توجد إلا فيها ، وليستفيد منها

العاقل اللبيب ، والفطن الأريب ، إذا طرقت سمعه ، وخالطت فهمه ، من آداب

النفس ، ولطافة الذهن والحسن ، ما يغنيه عن مباشرة الأحوال ، وتلقي مثله من أفواه

الرجال ، ويحثه على العلم بالمعاش والمعاد ، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد ، وما

تفضي إليه أواخر الأمور ، ويساس به كافة الجمهور ، ويجنبه من المكاره حتى لا

يتوغل في أمثالها ، ولا يتورط بنظائرها وأشكالها ، ولا يحتاج معها إلى إنفاد عمره في

التجارب ، وانتظار ما تكشفه له السنون من العواقب .

فأوردت ما كتبته مما كان في حفظي سالفًا ، مختلطًا بما سمعته آنفًا ، من غير

أن أجعله أبوابًا مبوبة ، ولا أصنفه أنواعًا مرتبة ، لأن فيها أخبارًا تصلح أن يذاكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت