""""""صفحة رقم 2""""""
سلف وتحبيره ، بل هي مضادة لما تدل عليه تلك الحكايات من أخلاق المتقدمين
وضرائبهم ، وطبائعهم ومذاهبهم ، حتى إن من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما
يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة ورؤساء الوقت ، خاصة ما كان منه
متعلقًا بالكرم ، ودالًا على حسن الشيم ، ومتضمنًا ذكر وفور النعم ، وكبر الهمم ،
وسعة الأنفس ، وغضارة الزمان ، ومكارم الأخلاق ، كذبوا به ودفعوه ، وحصلوه في
أقسام الباطل واستبعدوه ، ضعفًا عن إتيان مثله ، واستعظامًا منهم لصغير ما وصلوا
إليه ، بالإضافة إلى كبير ما احتوى أولئك عليه ، وقصورًا عن أن تنتج خواطرهم
أمثال تلك الفضائل والخصال ، وأن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم
والأفعال هذا مع أن في زمانهم هذا من العلماء المحتسبين في التعليم ، والحكماء
والأدباء المنتصبين للتأديب والتفهيم ، وأهل الفضل والبراعة ، في كل علم وأدب ،
وجد وهزل وصناعة ، من يتقدم بجودة الخاطر ، وحسن الباطن والظاهر ، وشدة
الحدق فيما يتعاطاه ، والتبريز فيما يعانيه ويتولاه ، كثيرًا ممن تقدمه في الزمان ، وسبقه
بالمولد في ذلك الأوان ، ويقتصر منهم على الأكرام دون الأموال ، وقضاء الحاجات
دون المغارم والأثقال ، فما يرفعون به رأسًا ، ولا ينظرون إليه إلا اختلاسًا ، لفساد
هذا العصر ، وتباعد حكمه من ذلك الدهر ، وإن موجبات الطبائع فيه متغيرة
متنقلة ، والسنن دراسة متبدلة والرغبة في التعلم معدومة ، والهمم باطلة مفقودة ،
حاصلون فيما روى من الخبر إن الزمان لا يزداد إلا صعوبة ، ولا الناس إلا شدة ،
ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ، وما أحسن ما أنشدني أبو الطيب المتنبي
لنفسه من قصيدة ، في وصف صورتنا:
أَتَى الزَّمَانَ بَنُوهُ فِي شَبِيبَتِهِ
فَسَرَّهُمْ أَتْيَنْاهُ علَىَ الهَرَمِ
واتفق أيضًا ، أنني حضرت المجالس بمدينة السلام ، في ستة وستين وثلاثمائة ،
بعد غيبتي عنها سنسن ، فوجدتها مختلة ممن كانت به عامرة ، وبمذاكرته آهلة ناظرة ،
ولقيت بقايا من نظراء أولئك الأشياخ ، وجرت المذاكرة ، فوجدت ما كان في
حفظي من تلك الحكايات قديمًا قد قل ، وما يجري من الأفواه في معناها قد اختل ،
حتى صار من يحكي كثيرًا مما سمعناه يخلطه بما يحيله ويفسده ، ورأيت كل حكاية مما
أنسيته لو كان باقيًا في حفظي لصلح لفن من المذاكرة ، ونوع من ' نشوار
المحاضرة ' .
فأثْبَتُّ ما بقي على ما كنت أحفظه قديمًا ، واعتقدت إثبات كل ما أسمعه
من هذا الجنس ، وتلميعه بما يحث على قراءته من شعر لمتأخر من المحدثين ، أو مجيد