الصفحة 4 من 841

""""""صفحة رقم 2""""""

سلف وتحبيره ، بل هي مضادة لما تدل عليه تلك الحكايات من أخلاق المتقدمين

وضرائبهم ، وطبائعهم ومذاهبهم ، حتى إن من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما

يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة ورؤساء الوقت ، خاصة ما كان منه

متعلقًا بالكرم ، ودالًا على حسن الشيم ، ومتضمنًا ذكر وفور النعم ، وكبر الهمم ،

وسعة الأنفس ، وغضارة الزمان ، ومكارم الأخلاق ، كذبوا به ودفعوه ، وحصلوه في

أقسام الباطل واستبعدوه ، ضعفًا عن إتيان مثله ، واستعظامًا منهم لصغير ما وصلوا

إليه ، بالإضافة إلى كبير ما احتوى أولئك عليه ، وقصورًا عن أن تنتج خواطرهم

أمثال تلك الفضائل والخصال ، وأن تتسع صدورهم لفعل ما يقارب تلك المكارم

والأفعال هذا مع أن في زمانهم هذا من العلماء المحتسبين في التعليم ، والحكماء

والأدباء المنتصبين للتأديب والتفهيم ، وأهل الفضل والبراعة ، في كل علم وأدب ،

وجد وهزل وصناعة ، من يتقدم بجودة الخاطر ، وحسن الباطن والظاهر ، وشدة

الحدق فيما يتعاطاه ، والتبريز فيما يعانيه ويتولاه ، كثيرًا ممن تقدمه في الزمان ، وسبقه

بالمولد في ذلك الأوان ، ويقتصر منهم على الأكرام دون الأموال ، وقضاء الحاجات

دون المغارم والأثقال ، فما يرفعون به رأسًا ، ولا ينظرون إليه إلا اختلاسًا ، لفساد

هذا العصر ، وتباعد حكمه من ذلك الدهر ، وإن موجبات الطبائع فيه متغيرة

متنقلة ، والسنن دراسة متبدلة والرغبة في التعلم معدومة ، والهمم باطلة مفقودة ،

حاصلون فيما روى من الخبر إن الزمان لا يزداد إلا صعوبة ، ولا الناس إلا شدة ،

ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ، وما أحسن ما أنشدني أبو الطيب المتنبي

لنفسه من قصيدة ، في وصف صورتنا:

أَتَى الزَّمَانَ بَنُوهُ فِي شَبِيبَتِهِ

فَسَرَّهُمْ أَتْيَنْاهُ علَىَ الهَرَمِ

واتفق أيضًا ، أنني حضرت المجالس بمدينة السلام ، في ستة وستين وثلاثمائة ،

بعد غيبتي عنها سنسن ، فوجدتها مختلة ممن كانت به عامرة ، وبمذاكرته آهلة ناظرة ،

ولقيت بقايا من نظراء أولئك الأشياخ ، وجرت المذاكرة ، فوجدت ما كان في

حفظي من تلك الحكايات قديمًا قد قل ، وما يجري من الأفواه في معناها قد اختل ،

حتى صار من يحكي كثيرًا مما سمعناه يخلطه بما يحيله ويفسده ، ورأيت كل حكاية مما

أنسيته لو كان باقيًا في حفظي لصلح لفن من المذاكرة ، ونوع من ' نشوار

المحاضرة ' .

فأثْبَتُّ ما بقي على ما كنت أحفظه قديمًا ، واعتقدت إثبات كل ما أسمعه

من هذا الجنس ، وتلميعه بما يحث على قراءته من شعر لمتأخر من المحدثين ، أو مجيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت