""""""صفحة رقم 4""""""
بكل واحد منها في عدة معادن ، أكثرها ما لو شغلت نفسي فيه: بالنظم والتأليف ،
والتصنيف والترتيب ، لبرد واستثقل ، وكان إذا وقف قارئه على خبر من أول كل
باب فيه ، علم أن مثله باقيه ، فقل لقراءة جميعه ارتياحُه ونشاطُه ، وضاق فيه توسعُه
وانبساطُه ولكان ذلك أيضًا يفسد ما في أثنائه من الفصول والأشعار ، والرسائل
والمثال ، والفصول التي إن رتبت على الأبواب وجب أن توصل بما تقدم من
أشباهها ، وتردد في الكتب من أمثالها ، فينتقض ما شرطناه ، ويبطل ما ذكرناه ، من
أن هذه الأخبار جنس لم يسبق إلى كتبه ، وأنا إنما تلقطتها من الأفواه دون الأوراق ،
ويخرج بذلك عن القصد والمراد ، والغرض المطلوب في الاستقامة والسداد ؛ إذ
ليست الفائدة فيها التنويع ، ولا المغزى التأليف ، بل لعل كثيرًا مما فيها لا نظير له
ولا شكل ، وهو وحده جنس وأصل ، واختلاطها أطيب في الآذان وأدخل ، وأخف
على القلوب والأذهان وأوصل .
وعلى أني وإن كنت أتجنب بجهدي أن أثبت فيها شيئًا قد كتب قبلي ، أو
تنه على الفائدة في إثباته سواي ، إلا الشعر فإنه غير داخل في هذا الأمر ، فإني في
الأول ربما كتبت شيئًا أعلم أنه موجود في الدفاتر عَقيبَ شيء يوجبه ويدعو إليه ،
ولأجل فائدة تحببه وتحض عليه ، واعتمادًا لترصيع هذه الأخبار ، بما يحببها إلى أكثر
طلاب الآثار ، وقد جعلت كل واحد من أجزائها ، وهو مائة ورقة ، واحدًا قائمًا
بنفسه ، مستغنيًا عن الباقي من جنسه ، لا يخل بفائدة لقارئه دون غيره ، ولا يضطره
إلى سواه مع حضوره ، وإن كان في غيره ضروب أخر من الفوائد لا تعلم إلا منه ،
وصَدَّرْتُ كل جزء برسالة تدل على جنس الأخبار المُورَدَةِ في جميع الأجزاء ،
والغرض منها ، والسبب الباعث على جمعها ، مختصرة لهذا الشرح الطويل ، وموجزة
في جملة الأجزاء الأُخَر ما هو في معناه داخل ، ومن نوعه وفنه حاصل ، ومما ليس فيها أخ
له على حسب ما سنح وتيسر ، واتفق ولم يتعذر .
وأرجو أن لا يبور ما جمعته ، ولا يضيع ما تعبت فيه وكتبته وأثبته من ذلك
وصنعته ، فلو لم يكن فيه ، إلا أنه خير من أن يكون موضعه بياضًا لكانت فائدة إن
شاء الله تعالى .
وإياه أسأل التوفيق في المقال ، والتسديد في جميع الأفعال ، والعصبة من
الزلل ، والحفظ من الخطإ والوهل ، إنه بذلك ولي ، وبالمرجو فيه منه ملي ، وهو
حسبي ، وإليه في كل أمر مرجعي ، وعليه توكلي ، ولا حول ولا قوة إلا به ، إنه
نعم المولى والوكيل .