فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1350

إذا ما أخلص الإنسان التوبة، وأناب إلى الله ولجَأ إليه رَقَّ قلبه، وصفَتْ روحه فيَحدث له في لحَظات أن يَغيب عن العالَم وعمَّا حوْله وعن نفسه، ويتلاشَى كل شيء ويَضحك، ويَصير أثرًا بعد عيْنٍ أو هباء مَنثورًا، عند ذلك يشهد:"أن لا اله إلا الله"ويَصير بذلك شهيدًا والشهيد مَن شَهِدَ.

ومَن شهِد وهو في هذا العالَم أعرقُ في صفة التشهيد ممَّن شهد أثناء الوفاة أو بعد المَمات. ومَن"شهد"أن لا اله إلا الله فقد رفعه الله إليه، رفعه إليه وهو مَعَنا في عالَم الكون والفساد.

وإذا ما رفعه إليه بالشهادة صارَ ربانيًّا وامتنع عليه حينئذٍ أن يُشرك بالله فأصبحَ أحدِيًّا، وأصبح مِن المُوحِّدِينَ.

والتوحيد هو شهادة: أنْ لا اله إلا الله. وهو عقيدة وحالة.

وليس هناك مِن صعوبة كبيرة في أن يُصبح التوحيد عقيدةً، ولكن الصعوبة كل الصعوبة في أن يُصبح التوحيدُ حالةً.

إن نَفْيَ الشرْك مِن أقوال الإنسان وأفعاله مُؤَسِّسًا ذلك على نفْيه مِن قلبه ومِن نفسه درجةً لا ينالها إلا الأقلُّون، وهم الذينَ تحرَّروا مِن رِقِّ المادة، ومِن عبادة الأوثان.

ورِقُّ المادة وعبادة الأوثان هما مِن السمات العامة التي تسود البشرية في مُختلف ظروفها، يتمثل ذلك في عبادة المال. وعبادة الجاه، وما مِن شك في أن الخضوع للشهوات ـ وهي كثيرة ـ إنما هو عبادةٌ لها، والإنسان بطبعه يَخلد إلى الأرض ويَبيع هواه وتَستعبده الأرض، ويَستعبده هواه ويبتعد بذلك ـ وبمقياس درجة استعباده عن الله ـ سبحانه وتعالى.

وكل خُضوع لغير الله وكل عُبودية لمَا سِوَى اللهِ شِرْك بالله، إنها تتنافَى مع التوحيد، إنها لا تَنسجم مع: لا اله إلا الله.

والشِّرْك الخفِيُّ كثيرةٌ ألوانُه، وصدَق الله العظيم؛ إذْ يقول: (ومَا يُؤمنُ أكثرُهمْ باللهِ إلاَّ وهُمْ مُشركونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت