وما الوُجودية إلا لِهَوًى. إنما هوَى النفس التي لا تحتمل القيام بالواجب الاجتماعي والديني. والإلْحاد ضعفٌ؛ لأنه محاولة للفرار مِن التكاليف. ومع كل ما تقدَّم فإنه لا يتأتَّى لي أن أترك هذا المجال دون أن أذكر قصةً سمعتها حديثًا هَزَّتْنِي مِن الأعماق ووقعتْ مِن نفسي موقعًا من الروْعة والجلال لا يُمكنني تصوير مداهُ.
لقد ذَكَر لي هذه القصة فضيلة الأستاذ الكبير الشيخ مُدَّثِّر الحجاز وكيل جامعة أم دُرمان الإسلامية ورئيس الطريقة التيجانية بالسودان.
في إحدى القرى النائية المُنعزلة مِن قرى السودان كان يعيش رجل عابد صالح، وكان يقضي وقته بين المسجد والبيت، لم يكن يُفارق القرية يومًا ما، والقرية في انْعزالها كأنها بالنسبة له، العالَم كله.
وفي يوم مِن الأيام ولظروف مُعيَّنة، غادر هذا الرجل الصالح القرية بصُحبة صديقٍ له وجَدَّا في السير حتى وصلا إلى الطريق الذي يُؤدي إلى المدينة.
وما إنْ وَصَلا إلى الطريق حتى رأَيَا ـ بطريق المُصادفة ـ رجلا مِن رجال الجيش الإنجليزي بمَلابسه العسكرية مُتْرَفَ المَظهر، مُتَحَلِّيًا بكل ما يُمكن أن يتزيَّن به رجلُ الجيش المُترف الأنيق. ولم يكن الشيخ الصالح قد أتاحت له الظروف رُؤية مثل هذا المنظر في قريته أو في عالَمه المنعزل النائي الذي اختصره الشيخ ـ مع صغره ـ مِن قرية إلى بيت ومسجد.
وتأمل الشيخ رجل الجيش الإنجليزي في دهشة، ثم سأل صديقه مُشيرًا إلى هذا الشيء الغريب، ما هذا؟ فقال له صديقه: هذا كافِر.
وعاد الشيخ يسأل في دَهشة أشدَّ وفي استغراب أقوَى ـ أهو كافر بالله؟
فقال صديقه: نعم. وما إنْ نطَقَ صديقُه بذلك حتى تملَّك الشيخَ شعورٌ بالاشمئزاز منَعه مِن أن يتلفَّظ أو يَنطق.
وغمَره إحساسٌ بالغَثَيان أخذ يَقْوَى ويزداد بسرعةٍ سريعة وإذا بالشيخ يتقيَّأ اشمئزازًا وغَثيانًا وتَقزُّزًا مِن هذا الكافر.
هذه هي القصة: