وعلى أيِّ وَضْعٍ إذا نظرنا إلى هذه الثقافة في نفسها: الثقافة النظرية، وهذا هو الجانب الذي أهتمُ به كثيرًا، وأُريد أن أُنَبِّهَ الأذهانَ مِن جديد إلى أنِّي أتحدث عن ثقافةٍ لا تتصل بالمُلاحظة ولا بالتجربة، أيْ إنها ثقافة ليست بحِسِيَّة.
أتحدث ـ إذن ـ عن الثقافة النظرية البحْتة، عن الفلسفة، عن الأخلاق، عن هذا الجانب في علْم الاجتماع الذي لا يتصل بالمُلاحظة والتجربة، عن الجانب في علْم النفس الذي لا يتصل بالملاحظة والتجربة عن هذه الجوانب في أيِّ موضوع لا يتصل بالاستقراء.
إن التجربة تتحكَّم فتكون فَيْصلًا فيما يتعلق بالحق والخطأ، لكن المجالات النظرية البحتة ليس لها هذا الفيْصل الذي يفرِّق بين الحق والباطل.
ما وراء الطبيعة مجال نظريٌّ بحْتٌ، وهو يَختلف مِن فرد إلى آخر ويتعدَّد بتعدُّد اختلاف الأفراد.
إذا جئنا للجو اليوناني فإنا نجد أن"أفلاطون"فيما يتعلق بتصوُّر"الآلهة"يختلف عن"أرسطو"، وتصوُّر أرسطو يختلف عن تصوُّر"الرِّوَاقِيِّين"، وتصوُّر"الرواقيين"يختلف عن تصوُّر"أبيقور"أو الأبيقوريِّين.
يُصوِّر أفلاطون الإلهَ على أنه مثال للخير على رأس المُثُل، أو مثال للجمال على رأس المثل، ومع أن أرسطو مِن مدرسته فإنه يُصور الله ـ سبحانه وتعالى ـ بصورة أخرى، ويرى أنه المُحرِّك الأول، وهذا المحرك الأول ليس هو الذي يُحرك العالَم بإرادته، وليس هو الذي خلَق العالَم، وليس هو الذي صوَّر العالَم وكوَّنه، بل إنه لا يعلم عن العالَم شيئًا مُطلقًا، إنه لا يعلم عن العالَم شيئًا: يستوي في ذلك التَّافِه مِن أمْره والعظيم منه إنه لا يَعلم حتى مجرد وُجود العالَم.