وكذلك شأنهم وموقفهم فيما يتعلق بالأخلاق، كانوا يَعتَزُّون بأخلاقهم، ويعتزون بعَصبيتهم لعَقيدتهم وأخلاقِهم المُنزَّلة المُوحاة، لقد كانوا يَعتزون لدرجة أنهم لا يَرَوْنَ أن يكون هناك أيّ كتابٍ أو رأي يقوم بجوار هذه المبادئ الإلهية الإسلامية سواء أكانت عقيدة أمْ أخلاقًا. ولم يُترجموا كتب الأخلاق إلى أن جاء المأمون. والمأمون بتربيته الفارسية كان عنده مِن التهاوُن القليل أو الكثير، ولم يكن عنده مِن التحرُّج ما كان عند غيره، فأمَر بترجمة الكتب التي تتصل بما وراء الطبيعة والكتب التي تتصل بالأخلاق.
لقد قام بترجمة هذا على الرغم مِن النفور العام بين المسلمين المؤمنين المتدينين. لقد ترجم كتب ما وراء الطبيعة، ترجم كتب الأخلاق على نفور من هؤلاء الذين يرون أن العقيدة الإسلامية يجب ألا يكون بجِوارها أيُّ شيء آخر، وأن الأخلاق الإسلامية يجب أن تكون مستقلة لا يكون بجوارها شيء ولا تُدنَّس ولا تتلوث بما يتوهم أنه حق بجانب الحق. لكن الترجمة ـ ترجمة ما وراء الطبيعة ـ أخذت شيئًا فشيئًا مَجالها، وترجمة الأخلاق أخذت شيئًا فشيئا مجالها ـ بل أصبحت مألوفةً في البيئة الإسلامية، وأصبحت وكأنها شيءٌ عادي، وليست ترجمة ما وراء الطبيعة أقلُّ شأنًا ـ فيما يتعلق بالجو الإسلامي الصحيح من الورقة التي كانت بيد سيدنا عمر.
إن العقيدة الإسلامية والأخلاق الإسلامية هما اللتان تُكونان ذاتيةَ المسلم، أيْ أن ذاتية الأمة الإسلامية لا تتكوَّن بكيمياء أمريكية؛ لأن الكيمياء كما قلنا لا لونَ لها، ولا تتكون بطبيعة رُوسية؛ لأن الطبيعة لا لونَ لها.
حقيقة أنه لا بدَّ مِن الكيمياء ولا بدَّ مِن الطبيعة كما قلنا للقوة وللغلَبة وللسلطان ولتأدية الرسالة مِن أجل الحقِّ والخير.
إن الذي يُكَوِّن ذاتية الأمة هو اللون الثقافي فيها، وقد رأينا موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وموقف المسلمين الأوَّل مِنه.