كثير؛ وهو لأنه ظني متعارضٌ ومتغير ومتطور، وكل شخص يقول: إن هذه القضية أو تلك ـ في الجانب النظري ـ هي قضية يقينية، إنما هو شخص مُخطئ عرَف ذلك أمْ لم يعرفه.
أمَّا الحقيقة الثانية: فهي أن الإسلام له نظام أصيل مُستقلٌّ، إنه نظام إلهي، إنه وحْيُ السماء معصوم، وهو دين، وهو عقيدة.
ومن القصص ذات المغزَى العميق أن الرسول ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ رأى صحيفةً بيد أحد الصحابة يقرأ فيها فسأله عنها فقال: إنها قطعة مِن التوراة، فظهر الغضب على وجه الرسول ـ صلوات الله عليه ـ ونهاه مِن الاستمرار في القراءة وقال له: لو كان موسى حيًّا ما وَسِعَهُ إلا اتباعي. وهنا نلْحَظ في وُضوح تفْرقةٍ في موقف الإسلام من الجانب العلمي المادي، وموقفه من الجانب الثقافي النظري. فهو في الجانب العلمي المادي مُوجِب وفارِض ومُشجِّع وحاثٌّ. أما في الجانب الثقافي النظري المُتغير المُتطور الظنِّي القابل للخطأ والصواب فإن كل دعوة للأخْذ به واعتناقه والإيمان به إنما هي دعوة عابثة، وهي دعوة آثِمة إذا ما طغت على الجو الفكري الإسلامي، وهي دعوة مُنكَرة، إذا ما أراد إنسان إحلالها محل المبادئ الإسلامية). ولكن المسلمين في أول العهد العباسي كانوا نافرينَ كل النُّفور مِن أن نُترجم ما وراء الطبيعة اليونانية.
إنَّ ما وراء الطبيعة يَعني بالأبحاث التي تتصل بالعَقيدة، وأجمع المسلمون على أنه إذا كانت عقيدة اليونان حقًّا فعندنا ما هو أحقُّ منها وهو القرآن الكريم في الأسلوب الإلهي: وإذا كانت باطلًا فإننا في غِنًى عنها.