وإذا سايَرت أمةٌ أمةً أخرى في هذا المجال، فإنها لا تكون بذلك قد فعلت ما يَضرُّ بذاتها أو يُقلِّل مِن شأن شخصيتها. والمسلمون في عصورهم الزاهرة اندفعوا إلى كشْف المَساتير في المجال المادي، فكوَّنوا حضارةً مادية خِصبة، وأفادوا الإنسانية في الطبيعة وفي الكيمياء، وفي الطب، وفي الصيدلة وفي غير ذلك مِن ميادينِ الحِسِّ مِن جوانب المادة، وهم وإنْ بلغوا حينئذ مَرتبة القيادة والزعامة، فإن هم لم يكونوا يتحرَّجُون من الاستفادة في هذا المجال بكل ما أنتجتْه الإنسانية مِن مُكتَشفات..
والمجال الثاني: هو المجال الروحي، وهو مجال يتضمَّن في خُطوطه العامة: العقيدة والأخلاق والتشريع وهذا المجال هو الذي يُكوِّن ذاتية الأمة، ويَطبعها بطابع مُعيَّن، ويُعطيها لونًا خاصًّا. لقد استخار اللهَ سيدُنا عمر بن عبد العزيز أربعينَ يومًا في ترجمة كتاب في الطبِّ ثم شرَح الله صدره كما سبق أن بيَّنَّا، وكتاب الطب كتاب مِن كتب الحضارة في جوِّها المادي إنه كتاب مِن الكتب ذات الطابع المادي، ولا بأس أن يُترجم كتاب مِن هذا النسق أو أن يُتابع أو أن يَقتبس منه، أو أنْ يُؤخذ في الجو الإسلامي مِن مبادئه. وتسير الحياة بالمسلمين هادئةً في جوانبها الحضارية. (لقد كتبنا في هذا الموضوع عدة مرات في الكتب والجرائد والمجلات وممَّا كتبناه في ذلك ما يلي: إن الحقيقة التي لا يختلف فيها الدارسون للدين الإسلامي هي أن الإسلام منذ نشأته يُناصر العلْم، ويَحُثُّ عليه ويُوجبه: إنه يُوجب العلم في جميع الميادين وفي شتَّى النواحي، إنه يوجب العلم بمعناه الحديث: العلم بالطبيعة وبالكيمياء، وبالطب.. إنه يُوجبه على صورة بحيث تُصبح الأمة الإسلامية كلها آثمةً إذا لم تصل في هذا الميدان إلى أرقَى ما يُمكن أن يصل إليه الإنسان.