فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 1350

ولمَّا تولَّى سيدنا عمر بن عبد العزيز الخلافة رأى أن المسلمين في حاجة إلى معرفة أوسع بعالَم الطب ووسائل العلاج، وفكَّر في تيسير الاستعانة لأطباء المسلمين بثَقافات الأمم الأخرى في هذا المجال، ففكر في ترجمة كتابٍ أو كُتب في هذا الموضوع، ولكنه قبل أن يُقدم على الأمر سأل نفسه: إن هذا العمل عملٌ لم يفعل مثله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يفعل مثله أحد الخلفاء الراشدين، فهل يجوز له أن يقوم بذلك؟

وتَردَّد في الأمر ثم استخار الله فترةً طويلة مِن الزمن حتى شرَح الله صدره لتنفيذ الترجمة فأمَر بها، وكان الكتاب بين أيدِي المسلمين، ولم يذكر أحدٌ مِن المسلمين لعمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ نَهْيًا، ولم يرفع أحدٌ منهم صوتًا بالإنكار عليه، لا لأنه الخليفة؛ ولكن لأنهم لم يروا في العمل مِن بأسٍ.

وقد يتساءل إنسان عن السِّرِّ في موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وموقف عائشة ـ رضوان الله عليها ـ من الإنكار على الذين يتبعون الكتب وهو موقف يختلف عن موقف المسلمين مِن عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ حيث كانت موافقتهم له عامَّة كاملة.

وهنا قبل أن نمضي في البحث نسارع بالعودة بالقارئ إلى ما سبق أن ذكرناه مِن التفرقة بين مَجالينِ.

أولهما: المجال المادي، مجال الطبيعة، مجال المادة، مجال الأرض والسماء وما بين الأرض والسماء. وهذا المجال لا يَطبع ذاتية الأمة بطابع خاصٍّ، ولا يُعطيها لونًا مُعيَّنًا؛ لأن القوانين المادية والمبادئ الحِسِّيَّة لا تختلف مِن قُطر إلى قُطر، ولا مِن بيئة إلى بيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت