ولا يُقال ـ إذن ـ حينما نَسير في الحضارة المادية مُكتشفينَ ومُخترعين ومُتبيِّنينَ الاكتشافاتِ والاختراعات إننا أخذنا الحضارة الأوربية، وإنما يُقال: إننا تابعنا الخطواتِ التي تابَعها وسارَ فيها أسلافُنا، وإذا كُنَّا في هذا المجال نَستعينُ بهذا أو ذاكَ، فإن الاستعانة ليس مَعناها أخْذٌ مِن الحضارة؛ لأن هذا الجانب لا لونَ له، أيْ أن الرقيَّ المادي لا لون له، لا يُقال هذه الكيمياء ألْمانية أو فرنسية أو إنجليزية، وإنما هي الكيمياء أينما كانت وأينما وُجدت لا تتسم بلون، فإذا استعنَّا بهذا أو ذاك في سبيل مُتابعة أسلافنا فيما يتعلَّق بهذا المجال فلسنا مُتابعين، وإنما نحن نواصل هذه المَجهودات التي بدأها أسلافنا وانقطعنا عنها فترةً، ونُريد أن نعود إليها مِن جديد.
ويأتي بعد ذلك القسم الآخَر مِن أقسام الحضارة الأوربية، وهو القسم الثقافي. وهذا القسم الثقافي نَبتدئ فيه بشيء من تاريخ الإسلام نفسه أو بعض الحوادث التي حدثت في رُبوع الإسلام.
لقد حَلَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة التي نُوِّرتْ به، وأخَذ يعمل جاهدًا على نشْر الدعوة الإسلامية مُتَّخذًا كل وسيلة لبيانها وإيضاحها.
وفي يوم من الأيام، كما يَرْوِي الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أتَى عمرُ بن الخطاب النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكتابٍ أصابه مِن بعض أهل الكتاب فقَرأه على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: فغضبَ، وقال:"أَتَتَهَوَّكُونَ (أي تُشككون في شريعتكم) فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جِئتُكمْ بها بيضاءَ نقيَّةً، لا تَسألُوهم عن شيء فيُخبروكم بحقٍّ فتُكذبونه، أو بباطلٍ فتُصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حَيًّا ما وَسِعَهُ إلا أنْ يَتَّبِعَنِي".