الصفحة 46 من 48

أنه كان في جيوش المسلمين من أهل السنة التي حاربت هذه الطوائف والأعداء كثير من المبتدعة والجهال بل لعل هذا كان عامة هذه الجيوش من أهل السنة .. ولم يقل الشيخ رحمه الله فلنجلس للتدريس حتى نوجد جيشًا لا بدعة فيه قط، ولا جاهل فيه أبدًا، ولا مخالف لنا فيه مطلقًا، لأن هذا لا يكون إلى أبد الدهر. وإنما حارب بالأمثل والمناسب والموافق من أهل السنة القريبين إلى الحق: دفع بهم أهل الباطل الكائدين للإسلام وأهله. علمًا أن شيخ الإسلام رحمه الله لم يسلم أيضًا من أهل السنة هؤلاء الذين حارب في صفوفهم، ودافع بكل قوته عنهم، وجمع كلمتهم من أجل حرب التتار، واستخلص أسراهم من التتر معرضًا نفسه للقتل، واستخلص كذلك الأسرى منهم من الصليبيين، ولقد كان أهل السنة هؤلاء كما رأينا في عناد بعضهم وعداوة كثير منهم لشيخ الإسلام ابن تيمية وحسدهم وملاحقتهم له، ولكنه رحمه الله ارتفع على كل هذه الأحقاد والصغائر والانتقام لنفسه .. بل كان يرى أنهم مأجورون في عداوتهم له لأنهم مجتهدون، في ذلك ويبدو عليهم الإخلاص لله في عداوتهم له!! ومن أجل ذلك قال"كل من آذاني فهو في حلّ مني .. لا أحب أن يعذب مؤمن بسببي"!!.

بمستوى هذه الهمة العالية عاش شيخ الإسلام، مقدرًا للمصالح الشرعية الحقيقية، مرتفقًا فوق حظ النفس، ورغباتها الصغيرة، كريمًا في أعدائه الذين سجن واضطهد وعذب بسببهم، واضعًا عداءه كله مع أعداء الله الحقيقيين من التتار والصليبيين والملاحدة الزنادقة والباطنيين، وأما أهل السنة والجماعة من المبتدعة والمقلدة، فإنه أحبهم ووالاهم، ودافع عنهم، وعندما قدر في يوم من الأيام أن يضرهم لم يفعل فعندما أراد السلطان محمد بن قلاوون سلطان مصر والشام وكان يحب شيخ الإسلام ويعظمه أن ينتقم من أعداء ابن تيمية واستشاره أن يضرب عنق ابن المنجي قاضي قضاة المالكية الذي أفتى بسجن ابن تيمية لم يرض شيخ الإسلام بذلك وقال"كل من آذاني فهو في حل مني"..

وفي هذا درس عظيم بليغ لمن يسيرون على منهج الخوارج في كل عصر، الذين يجعلون عداءهم كله لأهل السنة والجماعة يأخذون عليهم الصغيرة، والزلة، ويشنون عليهم الغارة لذلك، ويتركون أهل الكفر والنفاق، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان] !! فهل يتعلم هؤلاء السبابون الشتامون المعادون لعلماء أمة الإسلام المتطاولون عليهم باليد واللسان هل يتعلمون من شيخ الإسلام ابن تيمية ومن على طريقه من أهل السنة والجماعة الحقيقيين الذين يوالون أهل الإسلام ويجعلون عداءهم فقط في أهل الكفران.

والخلاصة أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بنى صراطه في الدعوة (استراتيجيته) على ما ذكرنا من التصدي لجميع الأخطار التي تجابه أمة الإسلام وقاوم كل خطر بما يستحقه وكان له في كل ميدان السهم المعلى، وبذلك رأب من صدع الإسلام في وقته ما شاء الله أن يرأب، وترك تراثًا من العلم والبيان والإرشاد منيرًا ما بقي من الزمان، ووضع أصولًا لأهل السنة والجماعة لم تزل منارات لهم إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت