الرحال إلى المزارات، والعكوف عند القبور ودعاء الأموات وما استحدثوه من بدع في العبادات والعادات مما يخالف شريعة الإسلام.
وقد كان يرى رحمه الله أن تخليص الدين من كل ذلك واجب وأي واجب وأنه لا يجوز تأجيله ولا السكوت عنه انشغالًا بحرب التتار والصليبيين، ولم يقل كما يقول كثير من الذين لا يعلمون حقيقة دين الإسلام: ليس هذا أوان بيان هذه الأحكام التي تفرق بين المسلمين، أو يجب أن ننشغل بما هو أولى وأهم من حرب التتار والصليبيين الذين يريدون هدم الإسلام بل رأى من واجبه بيان الدين كاملًا، وإزالة كل غبش وظلام وبدعة تحوم حوله، ليبقى صراط الله مستقيمًا لكل سالك، وليبقى الدين نقيًا الدين نقيًا طاهرًا كما أنزل .. علمًا أن دخول شيخ الإسلام في هذه الأمور الفرعية التي عارض بها المنحرفين من أهل السنة قد جرّت عليه معظم البلاء الذي تعرض له. فقد كان سجنه الأول في مصر الذي استمر أربع سنوات بسبب نشره لمعتقده في أسماء الله وصفاته، وسجن في المرة الثانية بدمشق بسبب فتواه بأن طلاق الثلاث تقع واحدة مخالفًا بذلك رأي الأئمة الأربعة جميعًا، مما أحنق أتباع المذاهب من المقلدة عليه، وأما سجنه الثالث والذي مات فيه في القلعة فقد كان بسبب فتواه أنه لا يجوز شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، وأنه لا يجوز شد الرحال بنية زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم .. فأفتى مشايخ السوء أنه يقول بعد جواز زيارة قبر الرسول (هكذا) وقالوا هذا إهانة للرسول يستحق بها ابن تيمية التأديب والتعزير فسجن من أجل ذلك، من عصر الاثنين السادس عشر من شعبان سنة 726هـ إلى أن توفاه الله ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة 728هـ أي أنه مكث سنتين وشهرين مسجونًا وكان ذلك بسبب الفتوى الآنفة والتي قال فيها أنه لا يجوز شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة. والعجيب في الأمر أن شيخ الإسلام ابن تيمية فرح فرحًا كبيرًا بهذا السجن الأخير وقال أنا كنت منتظرًا لذلك والشاهد أن شيخ الإسلام جعل بيان الحق في هذه المسائل (الفرعية) أو ما يسميه بعض الناس الأمور الخلافية أهم من السكوت والتصدي لما هو أكبر مما يراه الناس كقتال التتر أو الصليبيين .. ولم يقل مثلًا لا يجوز أن نشغل المسلمين بهذه المسائل الفرعية في هذه الأوقات الحرجة العصيبة من تاريخ الأمة، ولم يقل كذلك إن هذه الأمور قد تؤخرني عن الاضطلاع بما هو أهم من التصدي لقتال التتار والصليبيين وغيرهم ولا شك أن المصلحة الشرعية الحقيقية هي ما ارتآه شيخ الإسلام وسار فيه .. فإن بيان الحق واجب وكتمان العلم من أكبر الآثام، ولقد كان ببركة جهاد الشيخ العلمي أن استنار الطريق للمسلمين ولو سكت أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه البدع العقائدية والعبادية التي نشأت في عهده لكان سكوته إقرارًا، وكان هذا يعني بقاءها واستمرارها، والشاهد من كل هذا الاستطراد هو البيان أن شيخ الإسلام رحمه الله لم يشغله شأن حرب التتار وأعداء الأمة عن بيان الحق، كما أنه كذلك لم ينشغل ببيان هذه القضايا العلمية عن حرب أعداء الأمة، وتوحيد الصفوف، وجمع الكلمة من أجل التصدي لحرب التتار، والصليبيين، والرافضة الباطنيين. ولا شك