يومنا هذا .. وكان في كل ما صدر قائد أمة، وإمام جماعة شاركته أفراحه وأحزانه، بل تعرضت للأذى معه بسبب مواقفه وفتاويه.
يقول ابن كثير رحمه الله: قال البرزالي:
"وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنعه من الفتيا، وهذه الواقعة سببها فتيا وجدت بخطه في السفر وإعمال المطى إلى زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقبور الصالحين. قال: وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السلطنة وإذنه له فيه، فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم، وعزر جماعة منهم على دواب ونودي عليهم ثم أطلقوا، سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية فإنه حبس بالقلعة، وسكتت القضية" (البداية ص123 ج14) .
وهذا هو سجنه الأخير الذي مات فيه رحمه الله، سجن بسبب الفتوى في مسألة الزيارة، ولكن أعداءه (وللأسف أنهم من أهل السنة الذين ظل ينافح عنهم طيلة حياته ويعمل من أجلهم) لم يسجنوه وحده بل سجنوا أيضًا جماعة من أصحابه بسبب فتوى الشيخ فهل يظن ظان بعد ذلك أن جهاد الشيخ كان جهادًا فرديًا، وسعيًا انفراديًا بل كان عملًا جماعيًا.
وللعجب أيضًا فإن الكتاب السلطاني الذي ورد بسجن الشيخ السجن الذي مات فيه كان أيضًا من السلطان محمد بن قلاوون نصير الشيخ.
ولكنه أمام سعي العلماء الحاسدين، وأئمة العامة الناقمين على الشيخ اضطر السلطان أن يأمر بحبس ابن تيمية وسجنه وخاصة أن هؤلاء العلماء قد صوروا للسلطان أن ابن تيمية قد أهان رسول الله لأنه أفتى بعدم جواز شد الرحال إليه!! وأنه بذلك مارق من الدين!! وعلى كل حال لقد فرح شيخ الإسلام بالسجن لأن ذلك سيكون انتصارًا لعلمه وفتاويه وللحق الذي نادى به، لأن الحق إذا ارتبط بالمحنة كتب له البقاء والخلود والقبول أيضًا، ويحكي ابن كثير ذلك فيقول:
"قال البرزالي: وفي يوم الاثنين عصر سادس عشر شعبان اعتقل الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين بن تيمية بقلعة دمشق، حضر إليه من جهة نائب السلطنة تنكز مشدا الأوقاف وابن الخطيري أحد الحجاب بدمشق، وأخبراه أن مرسوم السلطان ورد بذلك. وأحضرا معهما مركوبًا ليركبه، وأظهر السرور والفرح بذلك، وقال أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة، وركبوا جميعًا من داره إلى باب القلعة، وأخليت له القاعة وأجري له الماء ورسم له بالإقامة فيها، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ورسم لهما ما يقوم بكفايته" (البداية ص123 ج14) .
وهكذا يكون العلماء في العلم سماحة وفقها واستعذابًا للآلام في سبيل نصرة الحق والدين.