الصفحة 43 من 48

والشاهد في كل ذلك أن دور شيخ الإسلام هنا كان التحريض على القتال، وبيان الوجه الشرعي في حرب هؤلاء المفسدين والخروج بنفسه مع جماعته للحرب، وقيامه كذلك بدور الإرشاد والبيان، وتطبيق الحدود من استتابة هؤلاء المارقين، ثم من إرشاد السلطان بما يجب عليه مستقبلًا قطعًا لدابر الفتن ..

ولو أن وصية شيخ الإسلام هذه قد فطن لها الحكام والأمراء وطبقوها لما كنا نعاني مما نعاني منه اليوم من فرق الضلال هذه.

والشاهد كذلك مما نحن بصدده من بيان دور شيخ الإسلام في العمل الجماعي أنه يمارس القتال بنفسه من خلال جماعته وأنصاره وأصحابه.

ب: قتال التتار:

كان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله دور عظيم في حفز همم المسلمين لقتال التتار. فقد دخل هؤلاء المجرمون بغداد سنة 656هـ أي قبل ميلاد شيخ الإسلام بخمس سنوات فقط وكانوا وقتذاك كفارًا معلنين للكفر، ولكنهم لم يلبثوا حتى أعلنوا إسلامهم ولكنهم استمروا مع ذلك في غزو ممالك الإسلام وتشريد وقتل المسلمين، وكانوا في فترة كفرهم قد دهموا بلاد المسلمين، ومهد لهم خبثاء الباطنية الذين كانوا قد استوزروا لخلفاء بني العباس، ووصلوا إلى أعلى المناصب في الدولة.

ولما سقطت الخلافة هاب الناس جميعًا التتر، ولم يكد يقف أمامهم إلا المماليك بقيادة قطز والذي كسرهم في موقعة عين جالوت (رمضان سنة 658هـ) ولكن التتار بعد ذلك أعلنوا إسلامهم، واستمروا مع ذلك على غزوهم للعالم الإسلامي وتورع الناس عن حربهم، وكانت كرّتهم الثانية على أهل الإسلام أشد من هجمتهم الأولى ولكن شيخ الإسلام الذي شب في خلال هذه الفتنة الماحقة التي لحقت بالإسلام والتي اجتمع فيها الأعداء من كل جانب على المسلمين، فالتتار المعلنون لإسلامهم الزائف من جانب، والصليبيون من الجانب الآخر، والفرق الباطنية تحارب مع هؤلاء وهؤلاء ضد أهل الإسلام، وأما أهل السنة والجماعة فإنه كان عليهم أن يواجهوا هذه القوى جميعًا، هذا ولم يكن حكومة مركزية قوية بل خلافة اسمية لبني العباس لا وجود لها في الواقع وأمراء متخاصمون من المماليك.

وكانت مصر في ذلك الوقت هي عاصمة أهل السنة، وبلاد الشام تابعة لمصر، ولكنها مهددة بالتتار الذين وصلوا أسوار دمشق مرة ثانية بعد أن أخرجوا منها في كرتهم الأولى. والصليبيين الذين يحتلون أجزاء كثيرة من الأراضي الساحلية، ثم بالفرق الباطنية التي تعتصم بالأماكن الجبلية الوعرة في لبنان وسورية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت